العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

شرق و غرب

ضم الأراضي يشعل الحروب والنزاعات

الخميس ٣٠ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: جدعون ركمان

هل أمضيت ليلتك ذات مرة وأنت تحلم بأعين مفتوحة بأن تضم جزءا من أراضي دولة مجاورة للبلد الذي تعيش فيه وتتمتع فيه بالمواطنة؟ إذا حدث لك ذلك فعلا فاعلم أنك لست الوحيد الذي تنتابه مثل هذه الأحلام التي لا تعتبر بالضرورة مجرد أضغاث أحلام أو أحلام يقظة. 

أظهرت نتائج استطلاع للرأي أجراه مؤخرا مركز «بيو» للبحوث والدراسات أن عددا هائلا من الأوروبيين غير راضين عن حدود البلدان التي يعيشون فيها. فعندما سئل المجريون عما إذا كانت هناك «أجزاء من بلدان مجاورة تابعة لهم» أجاب أكثر من 67% بنعم، وكذلك فعل 60% من اليونانيين و58% من البلغاريين والأتراك و53% من الروس و48% من البولنديين.

لا تزال مثل هذه المشاعر و«الأحلام» حاضرة بقوة أيضا في الوعي الجمعي في أوروبا الغربية وهي تشمل أكثر من 37% من الإسبان و36% من الإيطاليين و30% من الألمان. في الأوقات العادية مثل هذه الأرقام والنسب المئوية لا تهم كثيرا. فالمجريون على سبيل المثال لا يزالون حتى اليوم يتباكون على معاهدة «تريانون» التي أبرمت سنة 1920 والتي تسببت في خسارتهم أكثر من ثلثي أراضيهم، غير أنهم يعتبرون أن استعادة تلك الأراضي الضائعة لا تمثل اليوم فكرة عملية ممكنة.

نحن نعيش ظروفا غير عادية وهو ما يجعل هذه الأفكار مسألة بالغة الخطورة. فقد بدأت فكرة ضم أراضي الدول المجاورة تسجل عودتها ثانية على ساحة النقشات السياسية العالمية بعد أن كانت من محرمات العلاقات السياسية الدولية. في سنة 2014 عمدت روسيا إلى انتزاع شبه جزيرة القرم من دولة أوكرانيا المجاورة وضمها إلى سيادتها في عملية فرض للأمر الواقع.

لم تعترف بهذا الأمر الواقع الذي فرضته روسيا في شبه جزيرة القرم سوى قلة من الدول وهي تشمل كوريا الشمالية وفنزويلا وزمبابوي. كان ذلك في البداية. أما اليوم، وبعد مرور خمسة أعوام، فقد أحكمت روسيا قبضتها على شبه جزيرة القرم. أصبحت أغلب دول العالم تقبل ضمنيا وعلى مضض بهذا الأمر الواقع الروسي، ذلك أن إمكانية عودة هذه الجزيرة ثانية إلى السيادة الأوكرانية ازدادت صعوبة عن أي وقت مضى. لقد نجحت روسيا بذلك في عملية ضم جزء من أراضي جارتها أوكرانيا. وقد نجح على ما يبدو هذا النموذج في ضم الأراضي.

لقد أجريت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة على أساسا برامج ونقاشات تمحورت حول الخطط الرامية إلى ضم قرابة ثلث مساحة الضفة الغربية. ورغم أن إسرائيل قد ظلت تسيطر على هذه المناطق التي تريد أن تضمها فإن أغلب دول العالم تعتبرها أراضي فلسطينية محتلة. 

لقد اقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطته للسلام في منطقة الشرق الأوسط «صفقة القرن» الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من أراضي الضفة الغربية، وقد تلقفت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو تلك الهدية وراحت وأعلنت الشروع في عملية ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة بتاريخ 1 يوليو 2020. 

تدخلت إدارة الرئيس دونالد ترامب بعد ذلك من أجل كبح جماح حكومة بنيامين نتنياهو التي اضطرت إلى تأجيل عملية الضم بصفة رسمية رغم أن العملية تجري على قدم وساق في إطار سياسة تغيير المعطيات وفرض الأمر الواقع. قد تحافظ إدارة ترامب على هذا الموقف، وذلك لأسباب تتجاوز منطقة الشرق الأوسط.

لا شك أن تغيير حدود دولية أخرى من طرف واحد ومن دون موافقة كلا الطرفيين المعنيين قد يعطي الانطباع بأن الوقت الحالي هو واحد من تلك الأزمنة التاريخية الماضية التي أعيد فيها رسم الحدود. قد يستاء دعاة الضم في إسرائيل وغيرها، غير أن مثل هذه العملية كانت دائما تفضي إلى سفك الدماء وتهجير وترحيل أعداد كبيرة من السكان. 

كتب رئيس الوزراء السويدي الأسبق كارل بيلد ذات يوم محذرا وداعيا إلى الاتعاظ بدروس التاريخ: «لقد تم ترسيم الحدود في أوروبا وسط حمام من الدم. لذلك فإن أي محاولة لتغييرها اليوم قد تفضي إلى حمام دم جديد».

إن ما ينطبق على القارة الأوروبية ينطبق أيضا على القارة الآسيوية. ففي اليابان اعتبر رئيس الوزراء شينزو آبي أن مسألة استعادة الجزر اليابانية التي استولت عليها روسيا (الاتحاد السوفيتي سابقا) عقب نهاية الحرب العالمية الثانية (1939-1945) تحظى بكل الاهتمام في بلاده رغم أنه يقر بأن ذلك لا يكون إلا عبر المفاوضات.

أما الصين فقد ظلت دائما تؤكد حقها في إنهاء استقلال جزيرة تايوان بالوسائل العسكرية. حتى نكون واضحين يجب أن نقول إن الشعوب في مختلف البلدان، سواء الروس أو الصينيون أو المجريون أو الإسرائيليون، يطرحون نظرياتهم أو وجهات نظرهم المتعلقة بحدود بلدانهم.

تتمثل الطريقة الفضلى لمعالجة مثل هذه الإشكاليات في إبرام اتفاقيات قوية تتعلق بحقوق الأقليات أو اتفاقيات الجنسية المزدوجة، علما بأن بعض الأطراف تعتبر أنه لا مانع من طرح مسألة تغيير الحدود رغم أن هذه المسألة كانت على مر التاريخ سببا في اندلاع الكثير من الحروب والصراعات التي أدت إلى مآس إنسانية مرعبة.

يشدد الخبراء على ضرورة أن يتم أي تغيير للحدود عبر التفاوض. وتعود جذور المحرمات الحديثة المتمثلة في تغيير الحدود وضم الأراضي إلى فترة الثلاثينيات من القرن العشرين. فقد أحكم الزعيم النازي أدولف هتلر قبضته على مقاطعة الراين، قبل أن يقدم على خطوة جديدة من خلال ضم النمسا إلى ألمانيا وتفكيك جمهورية تشيكوسلوفاكيا وهو ما أثار الرعب بين بقية الدول الأوروبية وعجل باندلاع الحرب العالمية الثانية (1939-1945).

لقد تعلمت أجيال السياسيين في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية درسا بليغا.. إن السماح بأي عملية لتغيير الحدود وضم أراضي الدول الأخرى تطور بالغ الخطورة، من شأنه أن يفجر الصراعات ويشعل فتيل الحروب المدمرة.

شهدت الأعوام الماضية قيام دولتي تيمور الشرقية وجنوب السودان عبر المفاوضات وإجراء الاستفتاء المعترف به دوليا للحصول على الاستقلال الوطني. بطبيعة الحال يختلف مثل هذا المسار القائم على التفاوض والاستفتاء عن المسار الآخر الذي يتمثل في إقدام دولة قوية على الاستيلاء على أراضي دولة أخرى مجاورة.

ظلت مسألة ضم أراضي الدول الأخرى تمثل واحدا من المحرمات القائمة في فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة.، وهي الفترة التي شهدت اندلاع الحرب بين بريطانيا والأرجنتين حول جزر مالوين، إضافة إلى نشوب حرب بين العراق وإيران (1980-1988) وحربي الخليج الأولى والثانية ضد العراق.

تزامنت حرب العراق الأولى مع تفكك الاتحاد السوفيتي وهو ما أدى إلى قيام خمس عشرة جمهورية مستقلة. يحسب لروسيا أن تفكك الاتحاد السوفيتي سنة 1991 قد تم في كنف السلام. بعد مرور 23 سنة، أقدمت روسيا على ضم شبه جزيرة القرم، وهو ما مثل «حادثا معزولا» أكثر منه «مؤشرا على بداية عهد جديد في العلاقات الدولية».

فايننشال تايمز

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news