العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

عن الفريضة العربية الغائبة

قبل فترة, أجرى الأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس التحرير حوارا طويلا في غاية الأهمية مع الأستاذ عبدالحكيم الخياط العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لبيت التمويل الكويتي. أهمية هذا الحوار أنه ناقش بشكل متعمق متخصص التحديات الاقتصادية التي تواجهها كل الدول العربية اليوم في ظل أزمة كورونا وتداعياتها والحلول العملية الممكنة.

أريد التوقف اليوم, لأسباب سأذكرها فيما بعد, عند قضية واحدة أثارها الأستاذ عبدالحكيم الخياط, لا يتطرق إليها الكثيرون في الدول العربية على الرغم من أنها تعتبر بمثابة الفريضة الاقتصادية العربية الغائبة اليوم. أعني قضية التعاون أو التكامل الاقتصادي العربي أو السوق العربية المشتركة.. سمّها ما شئت.

الأستاذ الخياط لم يطرح هذه القضية ويناقشها من منطلق أيديولوجي أو سياسي، وإنما من منطلق ما تحتمه ضرورات مواجهة التحديات الاقتصادية الهائلة التي تواجهها الدول العربية اليوم والتي تفاقمت مع أزمة فيروس كورونا وتداعياتها وتأثيراتها.

أستطيع تلخيص الأفكار الرئيسية التي طرحها بهذا الخصوص في النقاط التالية:

1 - أننا في الدول العربية لدينا مصادر كبيرة لا ننميها ولا نستغلها بالصورة المطلوبة، فاقتصاديات الدول العربية صغيرة بالنسبة إلى الرقعة الجغرافية وعدد السكان. اقتصادياتنا لم تستفد من القدرة الاستيعابية الاقتصادية الهائلة بعناصرها البشرية ومواردها الطبيعية.

 2 - احتياجاتنا في الدول العربية مستوردة، ونحتاج إلى عملات أجنبية رئيسية لاقتناء السلع والخدمات من الخارج، والميزان التجاري لمعظم الدول العربية مُثقلٌ بالعجوزات المالية. ومما يزيد من الموضوع تعقيدا أنه لا توجد تحويلات أموال للتجارة البينية العربية إلا عن طريق العملات الأجنبية الرئيسية، ويمثل هذا عبئا كبيرا على خزينة المصارف المركزية وانكشافها للعملات الأجنبية والذي يحقق من خلاله سماسرة المضاربات في العملات أرباحاً طائلة.

3 - لهذا, علينا أن نعمل على خلق سوق عربي يتم التبادل فيه بالعملات المحلية لتخفيف الضغط على مجموع هذه الدول فيما يتعلق بالعملات الأجنبية وخلق مؤسسة صرافة عربية لصالح البنوك المركزية تُخلق له الآلية المناسبة على أساس من المصالح المشتركة، وتكمن أهمية هذا الموضوع في تحريك التجارة البينية واستغلال الموارد الاقتصادية بشكل فعال.

4 - أنه لا مناص من فتح الاقتصاد العربي على بعضه البعض بشكل جدّي وتذليل أية عقبات أو حواجز تحول دون ذلك بقيادة من الدول العربية المؤثرة، وضخ أموال هائلة للشركات الصغيرة والمتوسطة وربط الدول العربية بطرق سريعة وقطارات شحن ونقل تساعد على التجارة البينية وجعل حرية التجارة بين الدول العربية أمراً ميثاقياً لا يمكن التقاعس عنه لخلق استقرار وتنمية مستدامة. وبإمكاننا تحقيق ذلك وقطف ثماره في غضون سنوات.

5 - إن الاستمرار في الانغلاق الاقتصادي الحالي أو المفتوح بشكل جزئي أو غير الجدّي سيكون كارثيا في قادم الأيام على جميع المستويات. 

كما نرى, الأستاذ عبدالحكيم الخياط, كخبير ومختص اقتصادي, يتحدث عن الأهمية الحاسمة للإقدام على سياسات واتخاذ إجراءات جذرية من أجل تنمية التجارة العربية البينية, وتحقيق تعاون أو تكامل اقتصادي عربي باعتباره ضرورة أساسية لمواجهة التحديات الحالية ولتحقيق استقرار وتنمية مستدامة, وهو يدعو الدول العربية المؤثرة إلى أن تأخذ زمام المبادرة في هذا الصدد.

الذي دعاني إلى العودة إلى ما طرحه الأستاذ الخياط على هذا النحو تطورات شهدناها في الفترة القليلة الماضية.

أول هذه التطورات ما فعله الاتحاد الأوروبي مؤخرا.

الاتحاد الأوروبي يضم 27 دولة بينها مشاكل وخلافات حادة كثيرة، وليس بينها ما بين الدول العربية من روابط ثقافية وتاريخية مشتركة. ليس هذا فحسب, بل إنه بعد تفجر أزمة كورونا, تحدث كثيرون في الدول الأوروبية نفسها عن أن الاتحاد على أعتاب التفكك والانهيار.

لكن لنتأمل ماذا فعل الاتحاد الأوروبي مؤخرا.

قادة الاتحاد الأوروبي الـ27 بعد أيام من المناقشات الصعبة -كما وصفت- توصلوا إلى ما سمي «مشروع مارشال» أوروبي، أي إلى خطة تاريخية لدعم اقتصادات دولهم التي تعاني من تفشي فيروس كورونا، ووصف هذا الاتفاق باليوم التاريخي لأوروبا.

اتفق قادة الاتحاد على خطة إنعاش قدرها 750 مليار يورو دعما للاقتصاد الأوروبي الذي يواجه ركودا تاريخيا، يمكن للمفوضية الأوروبية اقتراضها في الأسواق. ويتوزع هذا المبلغ بين 390 مليار يورو من المساعدات و360 مليار يورو من القروض. وتمنح المساعدات للدول الأكثر تضررا جراء وباء كورونا، وهي تمثل دينا مشتركا يتعين على الدول الـ27 سداده بصورة جماعية. أما القروض فيتعين على الدول المستفيدة منها سدادها.

الاتحاد الأوروبي وقد استشعر قادته الخطر الداهم الذي يهدده بسبب الأزمة الراهنة أقدموا على هذه الخطوة التاريخية غير المسبوقة للحفاظ على الاتحاد ولإنقاذ دوله.

حين نتابع هذا التطور لا بد أن نتساءل: ولماذا لا يكون هناك «مشروع مارشال» عربي؟.. لماذا لا نجد أي تعاون أو تنسيق أو تضامن بين الدول العربية في مواجهة الأزمة العاصفة الحالية؟.. ولماذا يغيب عن الاهتمام العربي العام قضية استراتيجية كبرى مثل السعي للتكامل الاقتصادي وإقامة السوق المشتركة مع أنها ضرورة مصيرية؟!

للحديث بقية بإذن الله.

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news