العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

هل أضحت الحروب البيولوجية الخطر العالمي القادم؟

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الاثنين ٢٧ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

كثيرة هي التداعيات التي رتبتها أزمة كورونا؛ فعلى الرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يشهد فيها العالم أوبئة طالت العديد من دول العالم فإن الغموض لا يزال يكتنف منشأ ذلك الفيروس وطريقة انتشاره وحالة الجدل التي آثارها وتجمعها عناوين عديدة مثل المؤامرات والتسييس، أو وجود برامج أسلحة بيولوجية سرية، ومن ثم فإن جل هذا المقال ليس الخوض مجددا في تلك الدروب التي لا طائل منها، بل إثارة تساؤلات موضوعية حول طبيعة ذلك الخطر الجديد الذي يمكن أن يواجه العالم وهو الحروب البيولوجية، فمع أنه لا يوجد حسم علمي حتى الآن على أن فيروس كورونا يعد مؤشرا على حرب بيولوجية؛ إذ إن كل ما أثير هو قبيل التكهنات، إلا أن ذلك الفيروس وتداعياته التي لن تنتهي في المستقبل المنظور تستدعي نقاشا جادا حول قضية الحروب البيولوجية عموما وهو أمر له ما يبرره في ضوء ثلاثة اعتبارات الأول: في ظل زيادة الضربات التي تلقتها الجماعات الإرهابية فإنها ربما تسعى لاستخدام هذا النوع من الأسلحة انطلاقا من كونه سلاحا قليل الكلفة وخسائره فادحة، والثاني: بدء بعض الدوريات العلمية إثارة نقاش علمي حول فرضية الحروب البيولوجية، ومن ذلك التقرير الذي أوردته إحدى المجلات الإيطالية في الخامس من مايو 2020 وخلاصته أن فيروس كورونا يعد مقياسا لتقييم استجابات الدول لسيناريوهات الحرب البيولوجية والإرهاب البيولوجي، والثالث: أن أزمة فيروس كورونا لم تكن منشئة للجدل حول الأسلحة البيولوجية؛ إذ إن تلك الأسلحة التي تتعدد أشكالها قد تم إدراجها من جانب المجتمع الدولي ضمن «أسلحة الدمار الشامل»، ويمكن الإشارة إلى حدثين تم خلالهما استخدام تلك الأسلحة على سبيل المثال لا الحصر؛ الأول: عام 1995 عندما قامت إحدى الطوائف المتطرفة في اليابان بإطلاق غاز السارين السام في محطة قطار مترو الأنفاق في طوكيو، ما أدى إلى مقتل 134 شخصا وإصابة 5800 آخرين، وقد تم تنفيذ حكم الإعدام في ستة من أفراد تلك الجماعة عام 2018، والثاني: استخدام فيروس الجمرة الخبيثة في الولايات المتحدة عام 2001، والذي كان يعد أول هجوم بيولوجي تواجهه الولايات المتحدة وقد تبين أنه كان وراء ذلك الهجوم عالم يعمل في المجال البيولوجي، وهذان المثالان من التاريخ الحديث لكن استخدام تلك الأسلحة قد تم خلال حقب تاريخية منذ آلاف السنين خلال معارك وصراعات عديدة.

ومع التسليم بأنه يمكن من خلال توظيف التكنولوجيا الحديثة إنتاج أسلحة بيولوجية عديدة فإن الأمر ليس من السهولة بمكان وخاصة بالنسبة إلى الأمن العالمي؛ لأنه ببساطة يندرج ضمن أسلحة الدمار الشامل المحرمة دوليا، ومن ثم استخدامها يعني تجاوز الخطوط الحمراء في الصراعات بما يتطلب استخدام آليات الردع الممكنة، فالمجتمع الدولي لم يقف مكتوف الأيدي أمام ذلك التحدي وذلك منذ وقت مبكر؛ إذ تم التوقيع على اتفاقية الأسلحة البيولوجية عام 1972 بحظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة الجرثومية، بل إن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 كان بسبب الاشتباه في حيازة النظام العراقي آنذاك أسلحة كيميائية جرثومية.

 ومع أهمية الاتفاقيات الدولية بشأن تلك الأسلحة فإن المشكلة تكمن في عدم وجود آليات للتأكد من التزام الدول ببنود تلك الاتفاقية، إذ قامت بعض الدول سرا بتطوير أسلحة بيولوجية ولم يتم الكشف عنها سوى من خلال أجهزة الاستخبارات، كما أن هناك دولا لا تزال خارج إطار تلك الاتفاقية، بالإضافة إلى إمكانية تعرض تلك الأسلحة للسرقة وهو أمر ذو خطورة بالغة وخاصة إذا ما حصلت عليها جماعة إرهابية، بل إن التحدي الأكبر يتمثل في أنه لا توجد طرق سهلة للحماية من تلك الأسلحة سوى نوع محدد من الملابس العازلة للجسم وأقنعة، وفي حال الاشتباه بشن هجوم بتلك الأسلحة ستكون هناك حاجة إلى توفير تلك المتطلبات بكميات كبيرة.

الدول الغربية أدركت منذ وقت مبكر مخاطر تلك الحرب، ومن ثم أسست معامل ومختبرات معنية بالحروب البيولوجية، ففي عام 1940 أسست بريطانيا مركز أبحاث الأسلحة البيولوجية، أما الولايات المتحدة فقد أسست أول مكتب بحوث الحرب الحيوية عام 1942 يتبع وزارة الدفاع الأمريكية، تلتها مراكز أخرى سواء في تلكما الدولتين أو غيرهما، ولكن المعضلة لا تكمن في مدى وجود مختبرات من عدمه ولكن في وجود مئات الفيروسات والبكتيريا التي يمكن توظيفها ضمن الحروب البيولوجية، ولا يحتاج إنتاجها إمكانات مالية أو فنية هائلة ولكن معامل وقدرات بشرية فحسب، بالإضافة إلى صغر حجمها وسهولة نقلها وسرعة انتشارها، فضلا عن الأبعاد النفسية لهذا النوع من الحروب ويكفي الترويج لمقتل بضعة مئات بسبب هذا النوع من الحروب ليكون ذلك مثار هلع لكل أفراد المجتمع.

 ويعني ما سبق أن هناك حاجة إلى رؤية استراتيجية متكاملة الأبعاد، وبعيدا عن التهوين والتهويل، فالفكر الاستراتيجي هو ببساطة وضع تصورات لأبعد من اللحظة الراهنة والتفكير فما هو غير مألوف أو غير متوقع، إذ قدمت أزمة كورونا نموذجا لذلك، فلم يكن أحد يتوقع في العالم كافة أسلوب الحياة الذي فرضته كورونا في كل المجالات، ومن ثم يجب التفكير الآن وأكثر من أي وقت مضى في اتخاذ إجراءات احترازية بشأن هجمات من هذا النوع والتي قد تلجأ إليها دول أو جماعات دون الدول، فعلى المستوى الدولي يجب العمل على معالجة الثغرات التي تشوب الاتفاقيات الدولية بشأن الأسلحة البيولوجية، ووضع آليات للتعاون وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول تلك الحروب واحتمالاتها والمدى الزمني لوقوعها، وعلى الصعيد الوطني يتعين أن تكون تلك القضية جزءًا رئيسيا من استراتيجيات الأمن القومي للدول وخططها الدفاعية، إذ أثبتت كورونا أن هناك أسسا أخرى للقوة غير القوة التقليدية، ومن ثم لا بد من الاهتمام بالبعثات العلمية في مجال البحوث البيولوجية، فضلا عن أهمية أن تكون المخاطر البيولوجية ضمن العلوم الاستراتيجية التي يتم تدريسها في الأكاديميات الأمنية والدفاعية، وكذلك تمارين المحاكاة، ويمكن توظيف تقنية الذكاء الاصطناعي في تلك التمارين حتى تكون أكثر فاعلية وتسفر عن نتائج أكثر واقعية.

ومع أن وقوع هجمات بيولوجية ليس أمرا حتميا فإنه في تصوري أن أزمة كورونا كانت بمثابة تمرين عملي مهم بشأن كيفية مواجهة أزمات من هذا النوع وخاصة على صعيد الإجراءات الاحترازية التي أسست لخبرات تراكمية لدى كل الدول يمكن توظيفها في سياق مخاطر أخرى على غرار كورونا أو حتى هجمات بيولوجية.

 ويظل التساؤل هو هل يمكن بالفعل أن يكون الخطر القادم هو الحروب البيولوجية؟ وإذا كانت الإجابة بنعم ماذا يتعين على الدول القيام به استعدادا لمواجهة ذلك الخطر؟

‭{‬  مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news