العدد : ١٥٥٢٢ - الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٢ - الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٢هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

يوليو عبد الناصر والكرامة العربية

مرت قبل يومين الذكرى الثامنة والستون لثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 في مصر، والتي تعتبر واحدة من أهم المفاصل التاريخية، ليس بالنسبة إلى وطن الثورة مصر فحسب، وإنما للوطن العربي بشكل خاص والقارة الإفريقية والدول الإقليمية بشكل عام، ذلك أن صدى الثورة المصرية وتأثيراتها وحضور قائدها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر لم تنحصر في الحدود الوطنية والقومية، وإنما أخذت أبعادا قارية وأممية، كل هذه العوامل الموضوعية جعلت من الثورة المصرية واحدة من التجارب التي جعلت تأثيرها ونتائجها تتسم بالحيوية والحضور الدائم في وجدان الجماهير العربية كلما حلت الذكرى ومختلف الأحداث المرتبطة بها حيث تحولت إلى علامة خالدة في التاريخ المصري والعربي.

باتت الثورة المصرية عنوانا للاستنهاض الوطني والقومي وخاصة في ظل حالة الوهن والتفكك التي تشهدها الساحة العربية وتردي العلاقات العربية العربية ووصولها إلى درجة العداء، الأمر الذي انعكس سلبا على طموحات وأهداف التضامن العربي الذي كان واحدا من الأهداف الاستراتيجية لقائد الثورة المصرية، هذه الحالة من التردي في العلاقات بين الدول العربية أصابت هذا الهدف في مقتل وأدت إلى جعل الكثير من الدول العربية ما يشبه اللقم السائغة التي حفزت وشجعت أطماع العديد من القوى الإقليمية والدولية على الاستفراد بها.

مثل الزعيم الراحل جمال عبدالناصر رأس حربة الثورة المصرية وشعلة حماس الشعوب العربية خلال تلك السنوات التي شهدت حالة من النهوض القومي العربي لم تشهد الساحة العربية لها مثيلا، كانت الجماهير العربية تواقة إلى أن ترفع رأسها وتفتخر بتاريخها وعزتها بعد سنوات الاستعمار البغيض الذي سلب هذه الجماهير كرامتها، فكان عبدالناصر بالنسبة إلى هذه الجماهير بمثابة المحرك الذي تحتاج إليه من أجل التحرك نحو تلك الطموحات والأحلام وتحويلها إلى أهداف قابلة للمنال، وليس غريبا ولا مثاليا تلك المكانة التي حظي بها الزعيم الراحل في قلوب عشرات الملايين من أبناء الأمة العربية من البحر إلى البحر.

للثورة ولقائدها ما لهما وما عليهما، لكن لا يمكن لصاحب نظرة منصفة وموضوعية أن ينكر تلك البصمة الإيجابية شبه الأبدية التي خلفتها وخلقتها الثورة والزعيم الراحل خلال سنوات النضال التي قادها جمال عبدالناصر والتي امتدت منذ انتصارها في الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 حتى رحيل القائد يوم الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970، تلك الثمانية عشر عاما التي قاد فيها عبدالناصر التحول النوعي الكبير الذي شهدته مصر وامتدت آثاره الإيجابية إلى مختلف أرجاء الوطن العربي بالدرجة الأولى، فضلا عن العديد من دول القارات.

خلال تلك السنوات واجهت الثورة هجمة شرسة متعددة المصادر والقوى تصدرتها محاولات اغتيال قائد الثورة والعدوان الثلاثي عام 1956، ثم نكسة الخامس من يونيو عام 1967 التي كان وطؤها ثقيلا على عبدالناصر، لكن رغم ذلك لم تكسر كبرياءه ولم تهزم عزيمته على مواصلة النضال من أجل الأهداف التي جعلها دينا على عاتقه أمام الجماهير المصرية والعربية، فاستطاع أن يقاوم تلك الهجمات الشرسة والحادة معتمدا على إرادة الجماهير من خلفه وعلى المبادئ التي آمن بها منذ اليوم الأول لإعلان التحول النوعي في حياة الجماهير المصرية.

فانتصار ثورة الثالث والعشرين من يوليو مع وجود شخصية ذات كاريزما قيادية مؤثرة وقوية من بين قادتها كشخصية جمال عبدالناصر، إضافة إلى الخيار السياسي الصائب الذي اختارته الثورة، قوميا وأمميا، كانت من العوامل الموضوعية والذاتية التي اجتمعت معنا وأسهمت في انتقال مصر من قوة محدودة التأثير في محيطها القومي والإقليمي إلى قوة رائدة وذات تأثير وحضور قويين على مختلف المستويات القومية والقارية والأممية أيضا، ويمكن القول باختصار إن ثورة الثالث والعشرين من يوليو أعادت إلى مصر موقعها الذي يجب أن تكون فيه. 

لا يمكن لأي إنسان يحمل عقلا ووعيا أن يجرد الثورة وقائدها من الإنجازات الكبيرة التي حققتها خلال الثمانية عشر عاما من عمرها رغم كل التحديات والمؤامرات، وبالقدر نفسه لا يمكن إنكار الأخطاء والقصور والنواقص، بغض النظر عما إذا كان جلها خارجا عن الإرادة، أو بسبب تلك المؤامرات والتحديات، فعدم تمكن الثورة من إنجاز القاعدة الصلبة التي تمكنها من الاستمرارية والعطاء كان هو السبب الرئيسي في انكسار الثورة بعد رحيل قائدها، إذ بدأت التراجعات عن تلك الأهداف، بل التفريط في العديد من المكتسبات التي حققتها وأنجزتها الثورة خلال الثمانية عشر عاما من عمرها. 

التراجعات التي حدثت بعد رحيل قائد الثورة في شهر سبتمبر من عام 1970 انعكست سلبا على موقع مصر الإقليمي والدولي، فتراجع دورها المؤثر، الأمر الذي فتح الباب أمام قوى إقليمية لا تتمتع بذلك الثقل والإرث الذي تتمتع به مصر، ولأن لمصر مكانة خاصة في قلوب الجماهير العربية من خليجها إلى محيطها فإن كل ما تتمناه هذه الجماهير هو أن التراجع هذا ليس سوى حالة عابرة وتعود مصر إلى احتلال الريادة، فالأوضاع العربية بحاجة اليوم أكثر من أي وقت آخر إلى نسخة من مصر عبدالناصر.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news