العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢١ - الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

رسائل

ثورة يوليو ودورها الطليعي في تطور الفنون والأغنية الوطنية

بقلم: حيدر زكي عبدالكريم

الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

تمر اليوم الذكرى الثامنة والستون لثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 التي كانت بداية تغيير معالم المجتمع المصري بل حتى المجتمع العربي, وبعثت في الحياة الثقافية والفكرية روحا جديدة متحررة من قيود الظلم والاستغلال والتبعية.. إنّ مسيرة ثورة ظافرة لا يمكن إيجازها في سطور, لكننا نُسلط الضوء على أبرز ما حدث منذ ذلك التاريخ, لا استرجاع تلك الأحداث لكي تطلّع الأجيال الحالية على حدث تاريخي يمكن الاستفادة منه في حالة التردي أو الضعف ومعالجة الإخفاقات السابقة بالوقت ذاته كنوع من التصويب أو التصحيح وعدم الوقوع بالخطأ نفسه إن جاز التعبير. 

مسألة مهمة وهي عندما نقول الفن، فالفن ثقافة والثقافة حياة, والفنون متنوعة كالرسم والفن التشكيلي والتمثيل والغناء والموسيقى الخ.

إنّ الفن العربي التقليدي وجد خلوده وثباته في حناجر المرتلين لكتاب الله, وفي أفواه المُنشدين لقصص المولد النبوي ويمتد إليها جمال اللحن المناسب, الذي يجمع بين أطرافه الوقار, وشهد هذا البعث الكبير وتمتع بأصدائه من امتد بهم العمر إلى مطلع القرن الجديد (العشرين), حين نستقبل أصداء الأغاني السحرية والألحان القوية ويصبح كل شيء في خدمة السلام, وإسعاد الإنسان العربي. (4) 

وفي هذا الصدد يقول الفنان كامل الشناوي: «إن الفنان الصادق لا يتعجل المجد, ولكن ينتظره, وكلما أحسّ أنه في حالة انتظار, فإنه يدنو من القمة التي يتوق إلى بلوغها والاستقرار عليها». 

ويعرفهُ الرائد المسرحي زكي طُليمات: «لا يوجد هناك ربع فن أو نصف فن.. كل المسألة هي فن أو لا فن شرف أو لا شرف!». 

كما أن تذوّق الجمال يختلف باختلاف المُلابسات النفسية والاجتماعية والحضارية. والجمال بهذا المعنى قيمة نسبية, ولكن ألا توجد عناصر مشتركة تجعلنا نتذوق الأعمال الجميلة التي حدثت؟  

الثورة والفن: 

لقد ظهرت تجليّات هذا الفن عبر أثير إذاعة صوت العرب من القاهرة, لتستمع الشعوب إلى أعذب الأنغام من خلال إفصاح شعب مصر عما في جوهره، ويرى البعض «الذي ظلّ دائماً صادق الحس في الوصول إلى هدفه.. شديد الصبر على احتمال المكاره والأهوال من اجل هذا الهدف, يتصرف بوحي من موقف أصيل دائم في حمل المسؤولية تجاه حركة التحرر العربية».

إن الفنون في بلد كمصر ما كانت لتستمر وتزدهر بغير أن تسندها الدولة, و ترعاها باستمرار وشجاعة. 

فالثورة لم تبدأ العمل في ميدان الفن بفرض نظرية معينة على الفنانين من دون السماح لهم بتجاوزها أو الخروج عليها, ولم تكن المسألة بلاهة أو سذاجة ثورية ولم تكن عجزاً عن التدخل في الحركة الفنية ولكن الأساس في هذا الموقف أن الفن في النهاية انعكاس للحياة وتعبير عنها, وإن تغيير الواقع الاجتماعي سوف يؤدي بالضرورة إلى تغيير وسائل التعبير الفني (نود الإشارة هُنا نحن الكاتب إلى أن هذه الكلمات بحد ذاتها رأيٌ صريح وكان مسموحا بنشرها في الصحف والمجلات المصرية في ستينيات القرن الماضي.. لذا اقتضى التنويه للقارئ). 

ولم تقع الثورة فيما وقعت فيه ثورات أخرى في بعض مراحلها من تحديد ضيق لمفهوم الفن ومعناه, فالثورة لم تعترف بنماذج الجمود الفكري والفني, ومنذ يوليو 1952 لم يشعر الفنان العربي المصري بأنه محروم من التعبير بأيّ أسلوب فني جاء, فلا هو محروم من التجريد ولا من الرمز ولا من التعبير الواقعي ولا هو محروم من التعبير عن عواطف الحزن أو عواطف الغضب أو عواطف الفرح والحُب, أو ما شاءت له عواطفه أن يُعبرّ عنه في فنهِ. 

ولا شك أن مما ساعد الثورة على أن تقف هذا الموقف بالإضافة إلى ما سبق هو وعي قيادة الثورة بالمناخ الفكري السائد في النصف الثاني من القرن العشرين, انه مناخ متحرر من الجمود العقائدي والتطبيقات الفكرية المتعصبة التي تبتعد عن جوهر الروح الثورية والروح الاشتراكية معاً.

كان الهدف من الرصيد الغنائي هو تعزيز الجانب المعنوي لثورة يوليو والاستفادة من نجوم الساحة الغنائية أمثال فريد الأطرش والموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب ومحمد فوزي وكارم محمود، ومن المطربات أيضا السيدة أم كلثوم (كوكب الشرق) وليلى مراد وشادية ونجاة الصغيرة وفايدة كامل ونجاح سلام ووردة الجزائرية وغيرهنّ، ولا ننسى محمد قنديل ومحمد رشدي ومُطرب الثورة عبدالحليم حافظ (العندليب الأسمر) مع الاعتذار عن الإخفاق في عدم ذكر الآخرين ولا يسع المجال هُنا.

«تعد الأغنية الوطنية مكوناً أصيلاً وموروثا ثقافياً حاضرا مع كل الأحداث التي مرت بها مصر وكانت ثورة 23 يوليو 1952 التي حولت مصر إلى الحكم الجمهوري عن طريق تنظيم الضباط الأحرار الذي كان يتزعمه اللواء محمد نجيب وجمال عبدالناصر من أهم المحطات لانطلاق الأغاني الوطنية».

لقد بدا أن هذه المجاميع تُردد أغاني الحياة بكلمات وألحان من صنعها لتكتمل الصورة عندّ المُتلقي أو المستمع, ولنا وقفة تستحق مع مُطرب ثورة يوليو 1952 (عبدالحليم حافظ). ويذكر المُلحن الراحل محمد الموجي عن دور عبدالحليم وأغنياته الوطنية: «يبدو أنّ عبدالحليم أدرك بذكائه أن سبب نجاحه سياسي أو بمعنى أصح المناخ السياسي، وبذلك سعى بسرعة إلى الاقتراب من الأضواء السياسية ومن المسؤولين, كما اقترب منه المسؤولون أيضا بسبب شهرته التي توطدت ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم حتى إن الرئيس عبدالناصر قال عنه سنة 1956 انه مُغني الثورة وقالها بمناسبة أغنيتين.. الأولى ناصر يا حبيب الملايين وحكاية السد، ويضيف الموجي: ثمة شبه بين عبدالحليم والرئيس الراحل عبدالناصر, لقد كان متأثراً بشخصيته إلى حد كبير حتى انه في الفيلم المصور لأغنية السد كان يتحرك بطريقته نفسها، ولاحظ أن عبدالحليم ابتدع بدعة جديدة في الغناء وهي إلقاء الخطب قبل أداء أيّ أغنية في الحفلات». 

ومن الحوادث في تلك الفترة الخلاف الذي كان أثناء أعياد الثورة بين عبدالحليم حافظ والسيدة أم كلثوم, وذلك عندما تأخر عبدالحليم في أداء أغنيته بالحفلة وقام بالتعليق عن طريق الميكرفون وعلى الهواء مباشرة, حتى إنه مُنع في السنة التالية من المُشاركة بحفلات أعياد الثورة, ولكن بأمر مُباشر من الرئيس جمال عبدالناصر, سُمح له بتأدية واجبه الوطني اتجاه الثورة خلال نفس الفترة، لكن خارج مدينة القاهرة بسبب انتهاء الاحتفالات فيها, وبعد نكسة يونيو 1967 خصص عبدالحليم إيراد حفلاته للمجهود الحربي.. انه فعلاً مُطرب ثورة يوليو بجدارة وبعطاء تخطى الزمن. وفي الشأن ذاته يقول الرئيس جمال عبدالناصر عن عبدالحليم حافظ: «إن أغنية من أغنيات عبدالحليم الوطنية تُعادل جهد وزارة في ثلاث سنوات».

أما أشهر أغنيات مُطرب الثورة, يليها المؤلف والمُلحن معاً، فهي: «حكاية شعب» أحمد شفيق كامل – كمال الطويل» (في حفل أضواء المدينة بمناسبة وضع حجر الأساس للسد العالي), أرض الجزائر «كمال منصور - بليغ حمدي» البندقية اتكلمت «محسن الخياط - بليغ حمدي», الفوازير «مرسي جميل عزيز - محمد الموجي», إنذار «صلاح جاهين - بليغ حمدي», بالأحضان «صلاح جاهين - كمال الطويل», بستان الاشتراكية «صلاح جاهين - محمد الموجي», بلدي «مرسي جميل عزيز - كمال الطويل», راية العرب «أحمد شفيق كامل - كمال الطويل», صورة «صلاح جاهين - كمال الطويل» عدّى النهار «عبدالرحمن الأبنودي - بليغ حمدي», نشيد ناصر «صلاح جاهين - كمال الطويل», ولا يهمك يا ريس «عبد الرحمن الأبنودي - كمال الطويل», يا بركان الغضب «عبدالرحمن الأبنودي - كمال الطويل» الله يا بلدنا «أنور عبدالله - محمد عبدالوهاب», مطالب شعب «أحمد شفيق كامل - كمال الطويل», يا أهلا بالمعارك «صلاح جاهين - كمال الطويل», المسيح «عبدالرحمن الأبنودي - بليغ حمدي», المسؤولية «صلاح جاهين - كمال الطويل», فدائي «محمد حمزة - بليغ حمدي» وغيرها الكثير يُضاف إليها الروائع العاطفية.

وللأمانة، ما كانت أحداث الثورة وانجازاتها لتمر لو لم تُسجلها ريشة صلاح جاهين بالعبارة الرائعة الممزوجة بالأصالة والبساطة, يرافقها اللحن الجميل والتوزيع الموسيقي (إضافة إلى الشكل الخارجي للحن)، بقيادة علي إسماعيل رفيق مشوار عبدالحليم (رحمهم الله جميعا).

يُضاف إلى أن هذه الأغاني تعكس قصة، ونحن نعرف أن القصة شيء والأغنية شيء آخر, ما نريد ذكره حول هذه الإشكالية أنها ظاهرة تحتاج إلى دراسة متخصصة يجب الوقوف عندها من قبل أصحاب الدراسات الأكاديمية. (الكاتب). 

وكما كان عبدالحليم حافظ كانت السيدة أم كلثوم سباقة في رفد هذا الجانب من الغناء الوطني، والمجال لا يتسع لإحصاء تراثها ولكن كلمة الحق تُقال, هناك الكثير من الشعراء خلدّت كلماتهم أم كلثوم ولم يقتصر على أدباء مصر وشعرائها, بل امتد أيضاً إلى شعراء وأدباء العالم العربي كلهُ.. فهذا الشاعر العراقي الكبير جميل صدقي الزهاوي يكتب قصيدة عنها فيقول فيها: 

الفن روضٌ أنيق غير مشؤوم 

وأنتِ بلبلهُ يا أم كلثوم 

لأنتِ أقدرُ من غنى بقافيةٌ 

لحناً يرجعهُ من بعد ترنيمْ 

يمكن القول إن أم كلثوم استطاعت أن توحّد قلوب ملايين العرب, فكانت رافداً أساسياً للعروبة بشكل مُباشر إن جاز التعبير, والكل يعرف إيمان والتزام السيدة أم كلثوم يضاف إلى انتمائها الوطني والقومي والإنساني . تقول السيدة أم كلثوم بهذا الصدد: «إنها غنّت لمصر وهي تعاني آلام النكسة, فكيف لا تغني لها بعد أن حققت نصراً عظيماً في أكتوبر 1973» على حد وصف الشاعر صالح جودت.

كما غنّت أم كلثوم تحت سطح أهرامات الجيزة لصالح مشروع إنقاذ معابد (فيلة) وهي المجموعة الجديدة من آثار النوبة التي وجهت هيئة اليونسكو الدولية الدعوة لتنظيم حملة عالمية لإنقاذها، وتقرر إقامة مسرح كبير يسع (4000) متفرج بجوار تمثال أبو الهول وكذلك دورها في السفر لإحياء حفلات، كما حدث أثناء توجهها إلى ليبيا لإقامة حفلتين كبيرتين تقرر إقامة إحداهما في طرابلس والأخرى في بنغازي لصالح المنظمات الفلسطينية. وكذلك لصالح مهاجري منطقة القنال (بعد عدوان 1967).

كانت أغنيات الحياة (الثورية) تعكس قصة الثورة وولادتها والصعاب التي مرت بها, وترسم ملامح مصرية عربية إنسانية في أنحاء القطر المصري من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب وبلاد النوبة وحتى الأخيرة عبرّت عن مظاهر التغيير بعد 23 يوليو 1952, يرى البعض أنـ«هُم أناس يعشقون الغناء وتراثهم الفني يشمل مجموعة من الأغاني والألحان القديمة, لن يُفهم كلمة مما يتغنون به ولكن اللحن وصدق الأداء وعمق التعبير يشجع على الاستماع بشوق وشفق.. أغاني الحُب العذري العفيف وأناشيد جماعية عن الوطن الكبير وأغاني للنيل والخِصّب». 

ومن الجدير بالذكر أنه كانت هناك ظاهرة نقدية فنية في الغناء، فعلى سبيل المثال لا الحصر برز عدد من المغنين أمثال الشيخ إمام وعدلي فخري (ظاهرة وسطية نقدية مستوحاة من الواقع ) والشيخ إمام يُغني على العود ويلحن أغانيه، ومُعظمها من كلمات الشاعر احمد فؤاد نجم وقد تميز بالنقد والحماس، فيغني: يا مصر أنتِ اللي باقية.. وأنتِ اصل الأغاني, فقد كانت الإذاعة تذيع أغانيه يومياً عام 1968 من صوت العرب: برنامج بعنوان (من ألحان الشيخ إمام) مدة شهرين ثم اعترض الشيخ إمام لأن الإذاعة تحذف أجزاء من أغانيه وبسبب ذلك لم يعد يُغنّي في الإذاعة. أما عدلي فخري وأغانيه التي كانت تُقدّم شيئاً مُشابهاً فكما يقول الدكتور والأديب يوسف إدريس: «إنهما مرحلتان المرحلة الأولى الشيخ إمام, حيث ينقد الواقع. والمرحلة الثانية عدلي فخري يُبشرنا بواقع آخر. فالأمل ينطلق من أغاني عدلي فخري وهو أمل مع ثورة فيُغني للكثير من شعراء المقاومة مثل سميح القاسم ومحمود درويش». ويقول في إحدى أغانيه: في عزّ ليل القهر.. تخضر الأماني. 

وأخيرا: كانت هذه الثورة العظيمة من الشعب وإلى الشعب ويقول الزعيم الراحل جمال عبدالناصر: «إن الإرادة الشعبية هي التي تملك أن تصنع قيادتها, وأن تحدد لها مكانها. إن الشعب يجب دائماً أن يبقى سيد كل فرد وقائده, إن الشعب أبقى وأخلد من كل قائد مهما بلغ إسهامه في نضال أمته, أقول هذا وأنا أدرك وأُقدّر أن هذا الشعب العظيم أعطاني من تأييده وتقديره ما لم أكن أتصوره يوماً أو أحلم به. لقد قدمت له عمري ولكنه أعطاني ما هو أكثر من عمر أيّ إنسان».

‭{‬ كاتب من العراق

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//