العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الصفيح التونسي يسخن من جديد

كل المؤشرات تدل على أن تونس يمكن أن تكون قد دخلت في نفق سياسي جديد بعد فترة هدوء شهدتها البلاد على أثر تشكيل الحكومة التونسية قبل أكثر من أربعة أشهر برئاسة إلياس الفخفاخ بدعم ومشاركة القوى السياسية الرئيسية الممثلة في البرلمان التونسي، فبعد فترة الهدوء هذه، تفجرت قنابل سياسية في المشهد التونسي تمثلت في قبول الرئيس التونسي قيس سعيد استقالة رئيس الوزراء بعد قرار مجلس شورى حركة «النهضة»، أكبر أحزاب البرلمان، سحب الثقة من رئيس الحكومة والمطالبة بتشكيل حكومة جديدة بحجة أن استمرار حكومة الفخفاخ فيه تضارب مصالح، ودعوة مجلس شورى الحركة إلى تشكيل حكومة ائتلافية جديدة. 

 في موازاة ذلك تتواصل مساعي كتل نيابية ممثلة لأربعة أحزاب في البرلمان لسحب الثقة من رئيس البرلمان زعيم حركة «النهضة» راشد الغنوشي الذي يتهمه معارضون بتجاوزات إدارية ناهيك عن اتهامات سياسية كبيرة مثل العلاقات السياسية «المشبوهة» مع الرئيس التركي رجب طيب أردوجان وتلقي الدعم من دولة قطر والزج بتونس في صراعات دولية على أثر موقف الغنوشي من التطورات الأخيرة التي تشهدها الساحة الليبية واصطفاف رئيس البرلمان التونسي إلى جانب حكومة فايز السراج المدعومة من الرئيس التركي.

حركة النهضة، التي تضم كتلتها النيابية اثنين وخمسين نائبا، كانت بحاجة إلى ثلاثة وسبعين توقيعا من أعضاء المجلس لتمرير لائحة سحب الثقة، التي تحتاج بدورها إلى دعم مائة وتسعة نواب، فيما يقول الساعون لسحب الثقة من رئيس البرلمان أن عريضة سحب الثقة من الغنوشي جمعت أكثر من الـ 73 توقيعا وهو العدد المطلوب، وباستقالة رئيس الحكومة وقبولها من قبل الرئيس فإن دور حركة «النهضة» في إسقاطها قد أنجز لكن ذلك لا يعني أن الطريق لتشكيل حكومة جديدة سيكون سالكا، سواء أمام الحركة الأكبر برلمانيا، أم البرلمان بشكل عام.

فإذا كانت حركة «النهضة» قد نجحت في إسقاط حكومة الفخفاخ دون الحاجة إلى اللجوء إلى سحب الثقة البرلمانية عنها، فإن معركة عزل رئيس البرلمان لا تزال في بداية مشوارها، وخاصة أن متزعمي هذا المطلب هم من ألد الأعداء السياسيين لحركة «النهضة» حيث تتزعم المطلب رئيسة كتلة الحزب الدستوري «الحر» عبير موسي، التي ترى بحسب رأيها، في حركة «النهضة» مشروعا لأخونة الحياة السياسية في تونس وامتدادا عقديا لجماعة الإخوان المسلمين التي أصبحت حركة محظورة في أكثر من دولة عربية.

مسألة سحب الثقة من رئيس البرلمان هي عملية معقدة جدا وفقا للنظام الداخلي للبرلمان التونسي، حيث تتطلب العملية وفقا للمادة 51 من النظام موافقة الأغلبية المطلقة من أعضاء المجلس بناء على طلب كتابي معلل يقدم إلى مكتب المجلس من ثلث الأعضاء على الأقل، وبالتالي فإنه إذا كان من الممكن جمع أصوات ثلث الأعضاء للتقدم بالطلب، فإن توفير الأغلبية المطلقة لكي تنجح عملية سحب الثقة من الغنوشي سيكون في غاية الصعوبة إذا ما علمنا أن البرلمان التونسي يتألف من 217 نائبا منهم 52 لحركة «النهضة»، وبالتالي فإن تأمين الثلثين يعد أمرا صعبا جدا، إن لم نقل مستحيلا، ذلك أن لحركة «النهضة» «حلفاء» داخل البرلمان.

أيا تكن أهداف ونوايا المتصارعين في ميدان السياسة التونسية، فإن العملية كلها لا تعدو أن تكون شكلا من أشكال الصراع السياسي الذي تشهده جميع الساحات الديمقراطية، فكل حزب أو تكتل سياسي يسعى لتدعيم مواقفه الشعبية من خلال صراعه مع منافسيه من جهة، ومن جهة أخرى العمل على استغلال الهفوات والأخطاء السياسية لأي من المنافسين واتخاذها منطلقا لهذا الصراع، وهذه من حيث الشكل لا تضر العملية الديمقراطية، بل على العكس من ذلك، فإنها تغني التجربة، بشرط أن تلتزم جميع القوى بأصول ومتطلبات اللعبة الديمقراطية.

فحركة «النهضة»، لا تخفي منطلقاتها العقائدية (الإسلامية)، وهي حتى الآن لم تبد أي مؤشرات على وجود نوايا مبيتة للغدر بالتجربة الديمقراطية الوليدة في تونس إذا ما تسنى لها الاستحواذ على المشهد السياسي استفادة من صناديق الاقتراع، أي توفير الأغلبية البرلمانية المطلقة التي تمكنها من تشكيل وقيادة الحكومة التونسية منفردة، مع أنه من الخطأ في العمل السياسي افتراض حسن النوايا، خاصة أن أشقاء النهضة العقائديين لا يخفون طموحهم الذي يعتبرونه مشروعا من أجل إقامة الدولة وفقا لمعتقداتهم. فحركة «النهضة» أظهرت عقلانية ملحوظة وهي تنخرط في التجربة الديمقراطية التونسية، وهي مع ذلك تحاول بين الفينة والأخرى القفز تدريجيا على المكتسبات الديمقراطية عبر خلط الأوراق السياسية في مسعى منها لبلوغ هدف، ربما غير معلن حتى الآن، وهو الاستحواذ على المشهد السياسي لتحقيق الأمنية الغالية، أي الدول الدينية، سواء على غرار الدولة التركية الحالية أو خلاف ذلك، المستقبل كفيل بتوضيح ذلك.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news