العدد : ١٥٥٢٥ - الخميس ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٥ - الخميس ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

هل فقد اللوبي الصهيوني سطوته على الحزب الديمقراطي؟

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

أتيت إلى العاصمة الأمريكية واشنطن قبل أربعة عقود من الآن من أجل الإشراف على إدارة الحملة المدافعة عن حقوق الانسان الفلسطيني. أسسنا هذه الحملة بعد أن أخبرنا المحامون ونشطاء حقوق الانسان في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة عن قصص مرعبة عن انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني انتهاكا صارخا على أساس يومي. 

كانت تلك القصص المروعة عن الانتهاكات الصارخة التي ترتكب في حق الشعب الفلسطيني تقابل بالتجاهل وعدم الاكتراث وهو ما دفعنا إلى تأسيس الحملة المدافعة عن حقوق الانسان الفلسطيني من أجل تسليط الضوء على هذه الانتهاكات وحشد الدعم للضحايا الفلسطينيين. 

نجحنا منذ البداية في الحصول على تأييد ودعم قادة معروفين في مجال الدفاع عن الحريات المدنية وأبرز النشطاء المعروفين المناهضين للحرب الفيتنامية، إضافة إلى قادة الكنائس في بعض الطوائف المسيحية المهمة. كان هناك أيضا بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي الذين أبدوا دعمهم للجهود التي كنا نبذلها إضافة إلى أولئك الذي عرضوا حياتهم للخطر بسبب إثارة غضب وسخط اللوبي اليهودي المؤيد لإسرائيل -أعني لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك).

لم يكن اللوبي اليهودي -إيباك- يخفي سخطه على المسؤولين الأمريكيين المنتخبين والذين يؤيدون ويدعمون حقوق الشعب الفلسطيني بل إنه لم يتوان عن تهديد أعضاء الكونجرس وكانوا يتوعدونهم بالهزيمة إن هم لم يتراجعوا عن مواقفهم. 

في سنة 1979 تلقيت مكالمة من أحد الموظفين العاملين مع أحد نواب الكونجرس والذي تبنى بعض القضايا التي سلطنا عليها الضوء كما أنه يوجه الانتقادات للسياسات الإسرائيلية. لقد ظل هذا العضو يصوت ضد كل مشاريع القوانين التي تمنح إسرائيل مزيدا من المساعدات، بسبب انتهاكات حقوق الانسان الجسيمة التي ترتكبها إسرائيل. 

لقد أخبرني ذلك الموظف يومها عن الكلام الذي يدور مع ممثلين عن لوبي إيباك اليهودي ومع مسؤول آخر من السفارة الإسرائيلية في واشنطن وقد طلب مني الحضور إلى مكتبه لأنه يثق بي، لكي يتحدث معي في الأمر. لقد ذهبت فعلا إلى مكتبه في الوقت المحدد لكن لم يتسن لي أبدا مقابلته. 

رغم أن علاقة صداقة كانت تجمع بيننا فإنه كان نادرا ما يتحدث معي بعد تلك الواقعة. لم يقتصر الأمر على ذلك. فهو لم يصوت بعد ذلك على مدى العقود القليلة التي أمضاها في الكونجرس أبدا ضد أي مشروع قانون مدعوم من اللوبي اليهودي «إيباك» كما أنه أصبح من أكبر المستفيدين من التبرعات والمساهمات المالية من الأطراف المؤيدة لإسرائيل.

كان ذلك كله بسبب الخوف -أي التهديد بالهزيمة- إضافة إلى قوة سلاح التبرعات والمساهمات المالية التي تستخدم في الحملات الانتخابية التي يحصل عليها كل من يصوت بالشكل الذي يرضى عنه اللوبي المؤيد لإسرائيل، وهو ما ظل يشكل الطريقة التي يتعامل بها الكونجرس الأمريكي مع المسائل ذات العلاقة بإسرائيل والفلسطينيين. 

بطبيعة الحال فإن أعضاء الكونجرس الأمريكي ليسوا أشجع أبناء البشر على وجه الأرض. فالمال يلعب دورا مؤثرا جدا ويفشي الفساد في عالم السياسة، وخاصة في ظل تزايد حجم الأموال الطائلة التي تنفق في الحملات الانتخابية، لذلك فإن المسؤولين المنتخبين يجدون أنفسهم في سباق مستمر لجمع أكبر قدر من الأموال من أجل تمويل حملاتهم الانتخابية (وخاصة في التلفزيون والإعلانات الرقمية على شبكة الإنترنت) ومن ثم الاطاحة بمنافسيهم. 

لم أتردد في التعبير عما كنت أشعر به من إحباط لعضو الكونجرس الأمريكي السابق جون كونيرز إذ إنني قلت له إن النواب يصوتون لصالح إسرائيل ويمنحونها شيكا على بياض ويتصرفون بشكل يتنافى مع المبادئ والمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية. 

لقد ضحك جون كونيرز يومها عندما قلت له ذلك الكلام وقال لي إنه منذ اليوم الذي ينتخب به أعضاء الكونجرس الأمريكي فإنهم يفكرون في الكيفية التي ستمكنهم من إعادة انتخابهم. فالمصالح الحيوية الأمريكية تتساوى في أذهانهم مع هاجس إعادة الانتخاب لفترة جديدة في الكونجرس الأمريكي. 

لا شك أن هناك بعض أعضاء الكونجرس من ذوي المبادئ غير أن جمع التبرعات والمساهمات وإعادة الانتخاب لفترة جديدة تحت قبة الكونجرس أصبحا يمثلان غاية في الاهمية بالنسبة للكثيرين. كثير هم النواب الذين يختارون قضايا معينة يبرزونها من أجل إثارة الرأي العام في إطار حساباتهم الانتخابية وهم يقولون في قرارة أنفسهم: «لماذا أتخذ مواقف مناهضة للصناعة المصرفية أو التأمين الصحي وشركات ومصانع الأدوية ولوبي الأسلحة أو إسرائيل وأنا أعلم أن مثل هذه المواقف هي التي ستسهم في جمع الأموال التي ستؤدي إلى هزيمتي».

إن كل عضو ذي مبادئ من أعضاء مجلس النواب قد عرف باتخاذ مثل هذه المواقف الحاسمة من دون وجل أو حسابات انتخابية. ففي سنة 1980، وبعد أن قامت إسرائيل بطرد اثنين من رؤساء البلديات الفلسطينيين، ذهبت إلى الكونجرس بحثا عن الدعم لهذه القضية وقد التقيت أول أحد المدافعين المعروفين عن حقوق الإنسان. 

يومها بادرته بالقول: أنا أطلب دعمك لأنني أعلم أنك مدافع مستميت عن حقوق الإنسان وقد دافعت من قبل عن الضحايا في جنوب إفريقيا والفلبين ودول أمريكا اللاتينية، كما أنك من القادة المعروفين في المعركة من أجل نزع السلاح النووي والحريات المدنية هنا في الولايات المتحدة الأمريكية.

أجابني محدثي يومها قائلا: «إذا ما قمت بما تطلبه مني فإن المال سيجمع وينفق من أجل إلحاق الهزيمة بي ولن أكون هنا أدافع عن القضايا التي أنتصر لها والتي ناضلت كثيرا من أجلها». لقد كنت أعرف وأعتقد أنه كان يدرك ايضا أن ذلك الكلام لم يكن صحيحا. لقد كان ذلك النائب ينحدر من منطقة هادئة وآمنة وكان ينتخب ويعاد انتخابه كل مرة إلى أن قرر التقاعد.

في الحقيقة كان ذلك النائب يقول لي ضمنيا في طيات كلامه «هناك الكثير من أصحاب المصالح القوية الذي يصطفون ضدي ولست في حاجة إلى تأليب طرف آخر ضدي وضد طاقم الموظفين الذين يعملون معي». (ملاحظة: لقد أمضى هذا النائب عدة فترات انتخابية في الكونجرس قبل أن يقرر في نهاية المطاف الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني دون أن يعترضه أي تحد حقيقي). 

أما الأموال التي تم جمعها، إما لدعم هذا المرشح أو لمعارضته فهي حقيقية غير أنها لم تكن أبدا تمثل عاملا حاسما. لقد أسهم هذا الاعتقاد في خلق أسطورة مفادها أن لجنة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية – إيباك- لوبي يهودي لا يهزم. 

لقد ظل هذا اللوبي اليهودي يعزز قوته منذ فترة الثمانينيات من القرن الماضي وقد حصل في تلك الفترة على هديتين لا يستحقهما، فقد ظل هذا اللوبي ينسب لنفسه الفضل في إلحاق الهزيمة لاثنين من نواب الكونجرس، أحدهما في مجلس النواب والآخر في مجلس الشيوخ. لقد كنت أعلم أن هذا اللوبي قد رصد الكثير من الأموال في الانتخابات التي خاضها هذان العضوان الجمهوريان غير أن عوامل أخرى مؤثرة هي التي حسمت النتيجة في غير صالحهما.

لقد خسر عضو مجلس النواب الجمهوري في حقيقة الأمر لأنه تحول من دائرة انتخابية ذات أغلبية من الناخبين الجمهوريين إلى دائرة انتخابية أخرى معروفة بدعمها للديمقراطيين. ففي تلك الفترة التي هزم فيها هذا النائب الجمهوري كانت هناك موجة قوية مكنت الحزب الديمقراطي من الحصول على 27 مقعدا إضافيا في الكونجرس. رغم ذلك ظل اللوبي اليهودي المذكور يتبجح وينسب إلى نفسه الفضل في إلحاق الهزيمة بهذا العدو كما ظل هذا اللوبي يوظف هذا اللوبي من أجل زرع الخوف من قوته. 

أما عضو مجلس الشيوخ فقد هزم سنة 1984 وقد راح لوبي «إيباك» تلك المرة أيضا يتغنى بأسطورة قوته التي لا تقهر. في الحقيقة أنفق اللوبي الصهيوني الكثير من المال وهو ما حسم نتيجة الانتخابات وقد خصص منها مبلغ مليون دولار لدعم شخصية جمهورية أكثر راديكالية حتى يكون مرشحا ثالثا يستنزف الأصوات التي كانت موجهة إلى هذا السيناتور الجمهوري الذي هزم سنة 1984. لقد قال لي بعد مرور شهر واحد على هزيمته إن السبب الحقيقي وراء هزيمته هو أن الناخبين السود قد أبدوا دعمهم لأول مرة لمنافسه الذي فاز في تلك الانتخابات. 

ظل ذلك السيناتور حتى انتخابات 1984 يترشح ضد منافسين ديمقراطيين محافظين أكثر منه وقد تمكن دائما من كسب تأييد الناخبين السود. في تلك السنة التي خسر فيها الانتخابات ترشح ضده منافس ليبيرالي ديمقراطي مدعوم من عمدة مدينة شيكاغو هارولد واشنطن. 

رغم تلك الحقائق فقد ظل لوبي «إيباك» يتبجح وينسب إلى نفسه الفضل في ذلك الانتصار وفي تلك الهزيمة التي تكبدها «عدو إسرائيل». خلال الأعوام التالية، أصبح سيناتورا مواليا لإسرائيل يعرف بالضغط على زملائه الذين يبدون أي تردد في دعم أي مسألة ذات أهمية لإسرائيل ويذكرهم بالحقيقة التي لحقت بزميلهم السابق ويقول لهم سرا: «أنتم لا تريدون أن يحدث لكم ما حدث له؟».

خلال فترة الستار الحديدي، كان بابا الفاتيكان، أي كنيسة الروم الكاثوليك، يتولى تسمية رجال الدين برتبة كاردينال في دول أوروبا الشرقية وكان يتم التستر على مثل تلك التسميات التي «تتم في القلوب» خوفا من تعرضهم الاضطهاد في تلك البلدان التي كانت تحكمها أنظمة شيوعية. على مر العقود، وضعت قائمتي الخاصة بأعضاء الكونجرس الذي قال لي واحد منهم بشكل خاص: «أنا في الحقيقة معك غير أنني أخشى ردة فعل لوبي إيباك اليهودي».

لم يتجرأ أي واحد منهم على اتخاذ أي مواقف جريئة. لقد كان بعضهم يعبر علنا وبكل قوة عن دعمهم لإسرائيل غير أنهم كانوا في حقيقة الأمر معادين للسامية. ذلك ما يفعله الخوف. قد يساهم مثل ذلك الخوف في كسب بعض التأييد العام في الانتخابات غير أنه يسبب في الحقيقة كراهية دفينة صامتة. 

من حسن الحظ أن هذا الواقع قد بدأ يتغير الآن – على الأقل في صفوف الديمقراطيين. لقد حقق جمال بومان مؤخرا انتصارا انتخابيا تاريخيا على منافسه إليوت إنجل، المدعوم من لوبي إيباك اليهودي، الذي اضطر لإعطاء «الإذن» لأعضاء الكونجرس كي يعبروا عن معارضتهم لخطط إسرائيل لضم مزيد من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. لقد بعث 12 من أعضاء مجلس النواب وسيناتور في مجلس الشيوخ رسالة إلى وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عبروا فيها عن معارضتهم لخطط الضم كما أنهم تعهدوا بتمرير قانون يجعل المساعدات الأمريكية مشروطة بسياسات إسرائيل في الضفة الغربية – وهو ما قد يؤكد أن لوبي «إيباك» قد بدأ يفقد قبضته على الكونجرس الأمريكي. 

هذه بعض العوامل والأسباب التي تسهم في إحداث هذا التغيير: الصلف الكبير الذي يبديه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ أصبح الجناح اليميني المسيحي المؤيد لإسرائيل هو اللوبي المؤيد لإسرائيل والمهيمن في واشنطن؛ التحالف القائم ما بين بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ الانقسامات العميقة في صلب الجالية اليهودية والتي أفرزت مجموعات جديدة قوية تنادي بالعدالة والسلام؛ ازدياد قوة العرب الأمريكيين وتخلصهم من الخوف الذي كان يمنعهم من التحدث في العلن؛ تنامي التأييد للحقوق الفلسطينية بين الناخبين الأمريكيين السود والأمريكيين من أصل لاتيني وآسيوي والناخبين الشبان بصفة عامة.

لقد تضافرت هذه العوامل الرئيسية التي أتينا على ذكرها معًا وهو ما أسهم في قلب الكثير من المعادلات وإحداث التغيير. كنت أتمنى لو حدث هذا الأمر من قبل. إن التغيير قد بدأ اليوم ونتمنى أن يكون إلى الأفضل. 

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news