العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

قراءة في كتاب:البروتوكولات والمراسم في عهد صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة (1932-1942)

بقلم: يوسف صلاح الدين

الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

أشكر الدكتور الشيخ خالد بن خليفة آل خليفة نائب رئيس مجلس الأمناء المدير التنفيذي لمركز عيسى الثقافي ورئيس مجلس أمناء مركز الملك حمد العالمي للتعايش السلمي وهو غني عن التعريف وله العديد من الدراسات والبحوث في التاريخ وشارك في تقديم وكتابة العديد من المحاضرات والمقالات في السياسة والعلاقات الدولية وشؤون التعايش السلمي في مختلف المنتديات والجامعات والمحافل العربية والأجنبية، على إهدائي الكتاب الوثائقي القيم «البروتوكولات والمراسم في عهد صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة (1351-1361 هـ/1932-1942)» الصادر من المركز وتأليف الدكتور راشد عيسى الجاسم رئيس البحوث بمركز الوثائق التاريخية وله مساهمات في تأليف عدد من الكتب والأبحاث.

استطاع المؤلف بكل اقتدار في إبراز سمات وخصائص البروتوكولات والمراسم الملكية خلال حقبة مهمة من تاريخ مملكة البحرين، ما أسهم في إيجاد مرجع مهم للباحثين والمهتمين في مجال التاريخ والمراسم والعلاقات السياسية والدبلوماسية، فقد احتوى الكتاب على مواضيع عديدة ومنها معلومات مهمة وقيمة تظهر الدور الريادي والمتقدم لمملكة البحرين في أخذها المراسم الدولية، ولكن سبقتها في أخذها بالكثير من أعراف وعادات حكام البحرين العريقة والمتوارثة من الآباء والأجداد، والمستمدة من التقاليد والعادات الإسلامية والعربية. 

تم تقسيم الكتاب إلى ثمانية فصول هي: البروتوكولات والمراسم في عهد الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، الشيخ حمد من نيابة المحاكم حتى توليه العرش، المكونات الرئيسية للبروتوكولات والمراسم البحرينية (اللقب، التحية، العلم، الأوسمة، السلام الوطني، التقويم)»، الأنظمة والقوانين والمراسلات الرسمية، الإجازات والاحتفالات الرسمية في البلاد ولدى دار الاعتماد البريطاني، زيارة صاحب العظمة لبريطانيا عام 1936، مراسم زيارات كبار ضيوف البلاد، نماذج أخرى للبرتوكولات والمراسم البحرينية وخلاصات واستنتاجات.

استند المؤلف إلى منهج تاريخي متسلسل مبني على وثائق ومصادر قديمة وحديثة، ما أسهم في أن يكون الكتاب إضافة نوعية لإصدارات مركز الوثائق التاريخية بمركز عيسى الثقافي. فقد اشتمل الكتاب على صور ورسائل متبادلة بين مختلف قيادات وحكام البلاد مع الدول الشقيقة والصديقة، وهو ما يظهر الروابط والعلاقات الوثيقة المترسخة منذ فترات طويلة بين حكامها وشعوبها.

ان إصدار مركز عيسى الثقافي هذا الكتاب يؤكد الموروث الحضاري العريق لمملكة البحرين ويحافظ على الوثائق والمراسلات والمراسم والقوانين في مختلف الأزمنة، حيث ان المركز يعد أحد أهم وأبرز المؤسسات الثقافية في البلاد نظرا إلى ما يحتوي عليه من أقسام متعددة تقدم خدمات ثقافية متنوعة، وقد شيد المركز ليكون معلماً ثقافيا وحضارياً رائداً بفكرته وأهدافه ووظائفه وتجتمع فيه دلالات الماضي والحاضر والمستقبل. وقد أكد صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى خلال افتتاح المركز في عام 2008 أنه مشروع حضاري متميز وسوف يسهم في إغناء الثقافة البحرينية والعربية والإسلامية والإنسانية.

إن إنجازات وجهود مركز عيسى الثقافي والقائمين عليه ملموسة ومعروفة ومتميزة في خدمة الثقافة والمعرفة وهي موضع اهتمام وثناء من المواطنين والمقيمين والزوار فقد استضاف ونظم المركز خلال 12 عاما منذ تأسيسه في عام 2008 أكثر من سبعمائة فعالية ويحتفظ مركز الوثائق التاريخية بأكثر من خمس وثمانين ألف وثيقة تاريخية وأصدر خمس وثلاثين كتابا في التاريخ والأدب والثقافة والبيبلوغرافيات الوطنية بما فيها مطبوعات إدارة مركز الوثائق التاريخية، ووفرت إدارة المكتبة الوطنية حوالي مائة وأحد عشر ألف مجلد لكتب في مختلف المجالات، من بينها عشرة آلاف وخمسمائة كتاب لبحرينيين وألفين وخمسمائة رسالة ماجستير ودكتوراه من إعداد بحرينيين. ويحتفظ أرشيف الصحافة الوطنية بحوالي ألفين ومائتين وأربع وعشرين مجلدا تضم عشرات الآلاف من نسخ الصحف البحرينية الصادرة منذ عام 1939 إلى عهدنا الحالي.

ومن المواضيع التاريخية المهمة التي ذكرها المؤلف أن مملكة البحرين كانت تمتلك أسطولا تجاريا ضخما ويتحول بسرعة عظيمة إلى أسطول حربي مصفح بألواح من النحاس، وكان ذلك الأسطول الذي يجوب الخليج العربي في المحيط الهندي في جنوب شرق آسيا للتجارة، حيث كان هذا الأسطول سيد مياه الخليج العربي بلا منازع، وهو ذاته الذي أوصل الى الخديوي اسماعيل بمصر جزءا من بروتوكولات الصداقة هدايا الشيخ محمد بن خليفة حاكم البحرين 1843 إلى 1868 من الخيول العربية الأصيلة والسجاجيد العظيمة الحجم والجيدة الصنع، وهذا الاستعراض التاريخي يدل على الاهتمام الذي كان يبديه الحكام نحو البروتوكولات وفي الوقت نفسه، فإن الكتاب به معلومات تاريخية كافتتاح مكتب للبريد في 20 يوليو 1884، حيث اسهم فتح هذا البريد في تعزيز التواصل المعرفي بين أي منطقة في البلاد والبلدان العربية وبدأت تنتشر الصحف العربية مثل المقطم والمنائر المصرية في أواخر القرن التاسع عشر، حيث قامت مجموعة من المثقفين بمراسلة تلك الصحف منذ عام 1899 وشد الشباب الرحال لطلب العلم في الجامع الأزهر بمصر وجامعة عليكره بالهند وإرسال هدية إلى أمير الشعراء أحمد شوقي وزيارة المصلحين للبلاد مثل جمال الدين الأفغاني عام 1892 وأمين الريحاني وعبد العزيز الثعالبي ومحمد الشيخ الشنقيطي وحافظ وهبه، وهناك الكثير من الرسائل والمراسلات بين حاكم البحرين مع الباليوز والمعتمد البريطاني والاهتمام الذي أبدوه بان تكون تحية الحاكم من 11 طلقة من المدفعية بدلا من سبع طلقات، ما يدل على المقام السامي للشيخ عيسى بن علي آل خليفة، وكثير من الإعلانات الرسمية واستحداث الأوراق الرسمية كانت بشعار الدولة عام 1931، كما اشتمل الكتاب على كلمة ألقاها السيد محمد بن الحاج القصيبي خلال زيارة الملك عبدالعزيز بن الإمام عبدالرحمن آل سعود وروايات بعض المعاصرين عن تلك الزيارة ومنها: رواية الحاج سلمان أحمد كمال والسيد راشد بن عبدالرحمن الزياني، وفصل خاص عن أعمال الشيخ حمد وتطور أعمال الحكومة منذ ان تقلد منصب نائب الحاكم في إدارة شؤون البلاد حتى توليه عرش البلاد، وهناك وصف المستشار بلجريف لقصر الشيخ حمد في الصخير في عام 1926 وتفاصيل زيارة الشيخ حمد لبريطانيا في عام 1925 وتفقد حرس الشرف ووفاة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في عام 1932 وصدور الأوامر بتنكيس علم البلاد وإقفال أسواق مدينتي المحرق والمنامة والدوائر الحكومية والمدارس والبنوك مدة ثلاثة أيام، كما تم تنكيس العلم البريطاني في دار الاعتماد البريطاني، ووصف إقامة مجلس العزاء في المحرق وصفا دقيقا عن وفاة الشيخ عيسى كما ذكرها الحاج سلمان بن أحمد كمال في مذكراته بأن الوفاة كانت في يوم الجمعة الثاني من ديسمبر 1932 عن عمر ناهز 86 عاما حكم خلالها 55 عاما في ساعة متأخرة من الليل بينما كان يصلي وحضر الجنازة أكثر من عشرة آلاف شخص من كل الملل والنحل. 

ومما يدعو إلى الفخر، قيام صاحب العظمة الشيخ حمد باستحداث عرف جديد ينضم إلى الأعراف البحرينية في الاحتفالات الرسمية الكبرى وهو العفو عن المساجين وأصدر أمره السامي بعمل وليمة كبيرة لإطعام الفقراء، كما وصف الاحتفالات التي عمت البلاد بتولي عظمته سدة الحكم. وهناك فقرة عن التصور النهائي لنظام الأسبقية بأماكن جلوس الزوار والضيوف، وهذا يظهر ما وصلت إليه إدارة البروتوكولات والمراسم من نظام واضح المعالم. كما سعدت عند اطلاعي على صور ومراسيم علم البلاد والعلم الخاص للشيخ حمد، والذي كان يرفع على مقر إقامته وهو نفس العلم الخاص الحالي لصاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة بعد إضافة الشعار الملكي، فقد أعلمني جدي الحاج أحمد بن حسن إبراهيم بأن الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة أخذ بكثير من الأمور الحضارية في إدارة الدولة، ومن ذلك وجود سلام وطني وعلم خاص للحاكم وشعار للدولة. 

واحتوى الكتاب على الكثير من الأحداث والوقائع المهمة في تاريخ مملكة البحرين من خلال تسليط الضوء على البروتوكولات والمراسم خلال عهدي المغفور لهما بإذن الله صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة وصاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، ويظهر التقدم الحضاري في مختلف المجالات والاستقرار والانفتاح السياسي والتسامح الاجتماعي والحضاري والديني المبكر، وان العلاقات التي تربط حكام آل خليفة الكرام مع الدول الشقيقة والصديقة ليست وليدة اللحظة، بل لها إرث تاريخي مهم ترسخ مع الزيارات والعلاقات المستمرة بينهم، ما يؤكد أن حكام البحرين اكتسبوا بصمات حضارية عديدة منذ مختلف العهود وتركوا إرثا وتراثا تاريخيا وحضاريا عظيم الشأن ومفخرة للأجيال السابقة والحاضرة والقادمة.

كما أود إعطاء نبذة مقتصرة عن أصل تسمية «بروتوكول» التي تعود قواعدها إلى آلاف السّنين وتختلف بين مجتمع وآخر، فقد اشتقت من الكلمة الإغريقية «بروتوكولان» وتشير إلى معنى الغراء نسبة للصق ورقة على الوجه الأمامي للوثائق المختومة وبمرور السنين تشعبت لتشمل تفاصيل العلاقات بين الدول وعادة تكون الجهة المختصة بالبروتوكول ديوان الحاكم أو وزارة الخارجية أو دائرة المراسم والتّشريفات في رئاسة الدّولة ومن مهامها: وضع الخطط والبرامج الخاصة بزيارات الوفود والشخصيات الدبلوماسية رفيعة المستوى، كرؤساء الدول وتنظيم مراسم الاستقبال والإقامة والوداع واستقبال السفراء والمبعوثين ووداعهم وتنظيم الحفلات الرسمية والملتقيات ويدخل بها الكثير من الأمور التي تدخل في اختصاصها لأن معنى بروتوكول هو «إيتيكيت» في أصول أدبيات القواعد والتوجيهات الدبلوماسية من خلال التصرف والسلوك المتبع والمتعارف عليه في الأمور الدبلوماسية والشؤون الدولية خلال مراسم الترحيب في استقبال أحد رؤساء الدول وتنظيم أولوية الكلام والجلوس وبمعنى مختصر ان الاهتمام بالبروتوكلات هو تجسيد الوجه الحضاري للدول فهو يعكس أساسيات تراث وهوية شعوبها، وهو فن من فنون التواصل البشري والإلمام والتمكن من آدابه وقواعده ومهاراته يساعد العاملين في ذلك الاختصاص على ممارسة مهام عملهم والتعامل مع مختلف الشخصيات والمناسبات والمواقف المختلفة على المستوى المحلي أو الدولي.

yousufsalahuddin@gmail.com 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news