العدد : ١٥٤٧٦ - الخميس ٠٦ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٦ - الخميس ٠٦ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

حوادث المنشآت النووية الإيرانية والإجراءات الاحترازية الخليجية

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

في الثاني من يوليو 2020 أعلنت وكالاتُ الأنباءِ الرسميَّةُ الإيرانيَّة اندلاعَ حريقٍ في منشأةِ ناتانز النووية الإيرانية مؤكدة أنه لم يسفر عن تلوث إشعاعي أو خسائر بشرية، وواقع الأمر أن ذلك الحادثَ لم يكن خبرًا عاديًّا لسببين الأول: أن تلك المنشأة هي إحدى المنشآتِ النووية المثيرة للجدل ضمن مساعي إيران لإنتاج طاقة نووية لغير الأغراض السلمية ومن ذلك تسريع تخصيب اليورانيوم بنسب أعلى في مخالفة صريحة لمضامين الاتفاق النووي عام 2015. والثاني: أنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها المنشآت النووية الإيرانية لحوادث، ففي عام 2010 تعرضت المنشأة ذاتها لهجوم إلكتروني من خلال فيروس ستوكسنت وقد ألحق أضرارًا بالغة بأجهزة الطرد المركزي. 

تلك الحادثة وغيرها تثير تساؤلات حول مخاطر المنشآت النووية الإيرانية عمومًا على أمن دول الخليج العربي والتي لا تحتاج إلى حوادث لتأكيدها في ظل أن تلك المنشآت تقع ضمن حزام زلزالي بما يعنيه ذلك من أنها معرضة أكثر من غيرها للتدمير ومن ثم التسربات الإشعاعية ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر تعرض مقاطعة بوشهر الإيرانية التي يقع فيها أحد المفاعلات النووية الإيرانية غير ذي مرة لزلزال بلغ أحيانًا 8 بمقياس ريختر ما آثار تساؤلات حول حدوث تسربات إشعاعية، فضلا عن تأكيد العديد من التقارير الدولية ذات الصلة بمراحل إنشاء تلك المفاعلات أنها لم تراع معايير ومتطلبات الأمان النووي.

في مارس 2014 نظمت الأكاديمية الملكية للشرطة بمملكة البحرين بالتعاون مع أكاديمية نايف الأمنية للعلوم مؤتمرًا بعنوان «الاستخدام السلمي للطاقة النووية وأثره على الأمن البيئي» كمؤشر مهم يعكس الاهتمام الخليجي بالتداعيات البيئية التي يمكن أن تسببها المفاعلات النووية، تلك القضية التي يتعين أن تكون ضمن الأولويات الأمنية لدول الخليج العربي بشكل دائم، لأن ما تشهده إيران من حوادث يقرع أجراس الإنذار بشأن مسألة التسربات الإشعاعية المحتملة ومدى استعداد دول الخليج للتعامل معها فمفاعل بوشهر الذي يقع في منطقة تشهد خطوطًا زلزالية نشطة تبعد عن دولة الكويت بحوالي 277 كم، وعن مملكة البحرين بحوالي 300 كم، وعن الإمارات العربية المتحدة حوالي 600 كم، وعن المملكة العربية السعودية بحوالي 620 كم، ولا تكمن المعضلة في مسألة المسافة وإنما في كون مياه الخليج العربي وحركة الرياح تسير عكس عقارب الساعة الأمر الذي من شأنه تسريع نقل التلوث النووي من إيران إلى دول الخليج العربي، ومما يزيد من خطورة ذلك الأمر وقوع كل محطات تحلية المياه على شواطئ الخليج العربي بما يعني تأثرها نتيجة ذلك التلوث إذ تعتمد دول الخليج على محطات تحلية المياه كمصدر أساسي للمياه النقية بنسبة 80% والبقية من المياه الجوفية.

ويعني ما سبق أن تلك القضية تفرض على دول الخليج المزيد من الإجراءات الاحترازية أو بالأحرى متطلبات الأمان النووي إذ تواجه هذه الدول معضلة صغر المساحة حال وقوع تسربات إشعاعية من تلك المفاعلات إذ تتطلب إخلاء الناس من المواقع القريبة للحوادث لمسافة تتراوح ما بين 200 إلى 400 كم، ولن يكون بمقدورهم العودة مرة أخرى إلى فترة طويلة زمنيا، بالإضافة إلى صعوبة استخدام تلك الأراضي مرة أخرى لأي أغراض سوى بعد مرور سنوات ليست بالقليلة.

إن وقوع تسربات إشعاعية ليست بالأمر الجديد فقد شهدته بعض دول العالم من قبل وهي كثيرة منها على سبيل المثال حادث ثري مايل آيلاند في بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1978 وأحد مفاعلات محطة تشرنوبيل في أوكرانيا عام 1986 وحادثة مفاعل فوكوشيما في اليابان عام 2011. وقد تكون تلك الحوادث معروفة للجميع إلا أن الأمر اللافت أن أسبابها كانت إما زلزالا شديدا أو خطأ في التصميم أو عدم وجود الصيانة الكافية وأعطال فنية وعدم قدرة العامل البشري على التعامل معها وجميعها أسباب تتوافر في المفاعلات النووية الإيرانية، فضلا عن إمكانية تعرضها لهجوم سيبراني. 

إن رفض إيران دخول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى بعض منشآتها النووية، وعدم إجراء صيانة لتلك المنشآت على مدى سنوات والزلازل المتوقعة، جميعها عوامل يجب أن ترفع درجة المخاطر لدى دول الخليج بمسألة التسربات الإشعاعية من المفاعلات النووية الإيرانية. 

دول الخليج يجب أن تعنى بشكل كبير بمتطلبات الأمان النووي والإجراءات الاحترازية المطلوبة بشأن مسألة التسريبات الإشعاعية المتوقعة من المفاعلات النووية الإيرانية ويمكن أن يكون ذلك على مستويين الأول: داخل تلك الدول ذاتها من خلال تطوير أو استحداث هيئات تعنى بمتطلبات الأمان النووي سواء بالنسبة إلى المشاريع السلمية التي تنفذها تلك الدول أو بما قد ترتبه أي حوادث متوقعة للمفاعلات النووية الإيرانية، بالإضافة إلى الاهتمام بتمارين المحاكاة حول أزمات من هذا النوع وكيفية التعامل مع تلك الحوادث ليس فقط من جانب المؤسسات الأمنية بل ضمن خطة شاملة تشمل كل قطاعات الدولة، والثاني: الإطار الخليجي الجماعي لأن حوادث من هذا النوع - لا قدر الله - لن تفرق بين دولة خليجية وأخرى وبالتالي يجب تطوير عمل الأجهزة الخليجية الجماعية المعنية بتلك القضية ومنها مركز الرصد البيئي لدول مجلس التعاون من خلال إيلاء مسألة التسريبات الإشعاعية المحتملة من المفاعلات النووية الإيرانية أهمية بالغة، فضلا عن ضرورة إثارة دول الخليج لتلك القضية في المنظمات الدولية المعنية بالنظر إلى القرب الجغرافي لتلك الدول من مواقع المفاعلات النووية الإيرانية وهو الأمر الذي حذرت منه المملكة العربية السعودية ففي مايو 2019 وخلال كلمتها أمام اللجنة التحضيرية الثالثة لمؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار النووي لعام 2020 حذرت المملكة من «الأخطار التي يُشكلها مفاعل بوشهر الإيراني القريب من سواحل الخليج العربي، وخاصة في ظل وقوعه على خط زلزالي نشط». 

ويعني ما سبق أن التعامل مع تهديدات من هذا النوع وهي ليست تهديدات تقليدية بل من شـأنها التأثير على كل مناحي الحياة لسنوات يحتاج إلى تطوير استراتيجية متكاملة تتجاوز مجرد خطط الطوارئ المدنية بل وضع استراتيجيات متكاملة وتطويرها بشكل دائم وتحديد الجهات المعنية بمتابعتها وتنفيذها ورفدها بالكوادر البشرية المتخصصة في هذا المجال وذلك في ظل حالة الغموض المتعمدة التي تنتهجها إيران بشأن مفاعلاتها النووية وعدم قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الوصول إلى كل المنشآت النووية الإيرانية بما يتيح لإيران التنصل من التزاماتها في هذا الشأن ويزيد من المخاطر المتوقعة بشأن الخلل في عمل تلك المنشآت النووية الأمر الذي يجعلها تهديدًا وجوديًّا لدول الخليج العربي. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news