العدد : ١٥٤٧٦ - الخميس ٠٦ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٦ - الخميس ٠٦ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

المساس بحقوق المتقاعدين ليس هو الحل

بقلم: د. نبيل العسومي

الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

من أغرب ما يكون ومن أعجب ما يتكرر في حياتنا خلال السنوات الماضية هو العودة بين فترة وأخرى إلى ملف التقاعد والمتقاعدين, فكلما نعتقد ان الموضوع قد انتهى وتنفس المتقاعدون الصعداء يُثار الموضوع من جديد ويبدأ القلق يدب في نفوس وقلوب المتقاعدين. وهذا ما حدث بالفعل عندما نشر في الصحافة الموضوع مرة أخرى حول تفكير الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي في اتخاذ عدد من الإجراءات لتصحيح وضع الصندوق. وهذا أمر لا غرابة فيه بل يكاد يكون طبيعيا في بلاد الدنيا, لكن العجيب الذي أثارني وأثار الآلاف من المتقاعدين هو أن تتعامل الهيئة مع هذه الفئة من المواطنين بكل قسوة وبدون رحمة بمنطق «الطوفة الهبيطة» في اتجاه إلغاء الزيادة السنوية البسيطة التي يحصل عليها المتقاعدون سنويا لامتصاص جانب بسيط من التضخم وزيادة الأسعار.

هذا الإجراء المقترح والمرفوع إلى الحكومة الموقرة كما جاء في الخبر إضافة إلى سلسلة من الإجراءات الأخرى التي تؤدي إلى المساس بأبسط الحقوق المستقرة للمتقاعدين، شكل حالة من الانزعاج والخوف لدى هذه الفئة من أبناء البحرين الذين افنوا حياتهم في العمل خدمة للبلاد والاقتصاد والتنمية والتعليم والصحة وسائر القطاعات الحيوية الحكومية والخاصة, يجدون أنفسهم اليوم ويا للأسف عرضة إلى التهديد بالمساس بما تحقق لهم من مكتسبات وهي مفخرة للبحرين قبل أن تكون مفخرة لهم.

إن موضوع التقاعد انهك دراسة وتحليلا وقدم في شأنه الخبراء العديد من الدراسات والتوصيات, وهو موضوع جدي ولا يمكن أن نقلل من خطورة ما يمكن أن تتعرض له الصناديق التقاعدية من اختلالات يمكن أن تصل إلى درجة العجز عن دفع المعاشات للمتقاعدين. ولا شك أن بعض التوصيات يمكن أن تساعد في حل هذه العقدة أو التخفيف منها على الأقل من دون المساس بالمتقاعدين فعليا. من ذلك على سبيل المثال زيادة الاشتراكات التقاعدية بنسبة معقولة وتدريجية لتشكل موردا إضافيا للصناديق ويسهم في حل جانب من المشكلة, كما يمكن إلغاء التقاعد المبكر جملة وتفصيلا أو تقييده بشروط تجعل عدد المتقاعدين مبكرًا محدودا وفي أضيق الحدود ومشروطا بالوضع الصحي للموظف أو عدم الحاجة إلى وظيفته.

ومن الحلول أيضا حسن إدارة الموارد الخاصة بالصناديق مما يجعل الأموال تدر المزيد من الأرباح لتغذية الصناديق بالمزيد من الموارد.

كما توجد حلول أخرى يجب التفكير فيها بجدية وهي الحد من الامتيازات الخاصة ببعض الفئات مثل الوزراء والنواب والشوريين الذين هم أصلا ليسوا في حاجة إليها بحيث يتم إلغاء هذه الامتيازات, فضلا عن التوقف الضروري والفوري لضم أكثر من معاش تقاعدي للبعض, كما يمكن التفكير أيضا في خفض المعاش الأعلى للمتقاعدين من 4000 دينار إلى 3500 دينار مثلا. وهكذا توجد العديد من الحلول التي طبقتها العديد من الدول الأخرى وكانت نتائجها إيجابية. فالحلول موجودة ومطبقة. ومنها أيضا رفع سن التقاعد إلى 65 سنة للراغبين في ذلك ولكن من غير المعقول أو المقبول مطلقا الحديث عن إلغاء مكافأة التقاعد أو نهاية الخدمة التي ينتظرها العاملون أكثر من 30 سنة لتساعدهم على مواجهة صعوبات الحياة وعلى توفير شقة لأبنائهم أو غير ذلك مثل تسديد ديون متراكمة, كما لا يمكن الحديث مطلقا عن وقف الزيادة السنوية للمتقاعدين وهي بنسبة 3%, وذلك للأسباب التالية:

الأول: إن أغلب المتقاعدين معاشاتهم متواضعة جدا خاصة متقاعدي القطاع الخاص وهم بالتالي أحوج من الجميع للدعم والمساعدة, وذلك ان الموظف الذي يعمل يستلم راتبه كاملا في حين يستلم المتقاعد نسبة من هذا الراتب تتراوح بين 30 و80% كحد أقصى ولذلك يبقى وضع الموظف دائما هو الأفضل ووضع المتقاعد الأدنى مما يجعله أكثر احتياجا إلى الدعم وإلى الزيادة السنوية.

الثاني: إن أغلب المتقاعدين من الفئات المرهقة الذين يعانون من العديد من المشكلات وفي مقدمتها الصحية والحاجة الدائمة للعلاج وشراء الأدوية, وعليه فإنه من المعيب حقيقة الحديث عن إلغاء هذه الزيادة البسيطة عن هذه الفئة من المواطنين وخصوصا إنها زيادة لا تمثل عبئا على الهيئة ولا تفيد ولا تنقذ الصناديق.

الثالث: إن الواقع الاجتماعي الذي نعرفه جيدا يؤكد أن الآلاف من المتقاعدين هم الذين ينفقون على الأسرة وعلى الأولاد الذين يعيشون معهم خاصة في ظل حالات البطالة التي تمس عددًا من خريجي الجامعات الذين لا يجدون وظيفة مناسبة ويراجعون باستمرار وزارة العمل والتنمية الاجتماعية أملا في الحصول على وظيفة حتى وإن كانت بسيطة دون جدوى مما يجعل المتقاعد في الأسرة هو صمام الأمان الوحيد الذي يصرف على عائلته وغير ذلك من الاحتياجات، وبعد كل ذلك يأتي الأخوة في الهيئة بمجلسهم الموقر ويرفعون توصية إلى الحكومة الموقرة بإلغاء الزيادة السنوية للمتقاعدين.

للأسف الشديد إن هذا الملف يتم استحضاره باستمرار في اتجاه الإضرار بالمتقاعدين مع أنهم أكثر الفئات هشاشة وضعفا بالرغم من أن هناك حلولا كثيرة أخرى يمكن النظر إليها وتقليص الامتيازات كما أسلفنا ويبقى الأمل الكبير معقودا على حكمة قيادتنا الحكيمة يحفظها الله ويرعاها التي لا يمكن أن ترضى بالمساس بحقوق هذه الفئة من المواطنين التي أفنت العمر في خدمة هذا الوطن العزيز.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news