العدد : ١٥٤٧٥ - الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٥ - الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

الطــريـــق إلــى «صفقــة قــــرن» بيـــن أمـــريكــــا وإيـــران «٣»

زلزال الصفقة والموقف العربي


 

في المقالين السابقين، عرضت لشواهد ومؤشرات التهدئة بين أمريكا وإيران، ثم للحسابات الأمريكية والإيرانية التي تحكم احتمالات التفاوض والتوصل إلى صفقة بين البلدين.

 كي تكتمل الصورة، نقدم بعضا من الآراء المهمة لعدد من المحللين والخبراء حول القضية، ثم سنناقش الموقف العربي المفترض من هذه التطورات والاحتمالات.

‭}}}‬

قيود وأولويات

 أشرت من قبل إلى انه في أوساط المحللين الأمريكيين هناك اتجاهان كبيران فيما يتعلق بما يجب أن تفعله الإدارة الأمريكية في التعامل مع إيران. اتجاه يرى ضرورة التصعيد وتغيير الاستراتيجية بحيث تتبنى الإدارة هدف العمل على اسقاط النظام الإيراني، واتجاه يرى ضرورة السعي لإجراء مفاوضات والتوصل إلى اتفاق.

محللون آخرون تطرقوا إلى القضية من زوايا أخرى مختلفة.

كثير من المحللين الأمريكيين يتفقون على ان ترامب مضطر إلى التهدئة مع إيران ومحاولة السعي للتفاوض بسبب القيود التي يفرضها عام الانتخابات.

 على سبيل المثال، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تحليلا جاء فيه أن رؤساء الولايات المتحدة لا يرغبون عادة في تعريض القوات الأمريكية للخطر، خاصة خلال عام الانتخابات؛ لما يمكن أن يمثله ذلك من دعاية سلبية تؤثر على حظوظهم في صناديق الاقتراع، ويميلون عادة إلى تجنب التورط في صراعات كبرى خلال هذه الفترة الحساسة من مسيرتهم السياسية. 

واستشهد الكاتب بمقالٍ كتبه مؤخرًا، ونشرته مجلة «إنترناشيونال سيكيوريتي»، خلُص فيه إلى أن «الانتخابات تُقَيِّد بقوة القرارات الرئاسية المتعلقة بالحرب والسلام».. واستشهد بما قاله الرئيس جورج دبليو بوش ذات مرة مازحًا للقوات في الشرق الأوسط: «لا أحد يرشح نفسه لمنصب الرئيس في دولة ديمقراطية ويقول: امنحوا أصواتكم لي، وأتعهد لكم بأن أقحمكم في أتون الحرب».

مجلة «فورين افيرز» الأمريكية الشهيرة تطرقت إلى القضية من زاوية الأولويات الاستراتيجية الجديدة لأمريكا. الكاتبان جيك سوليفان ودانييل بنايم قالا في تقرير نشرته المجلة، إن أيام إرسال نحو 180 ألف جندي للقتال في العراق قد ولّت. فتفشي جائحة كورونا كان بمثابة التذكير الأبرز حتى الآن بأنه على الولايات المتحدة إعادة تركيز أولوياتها على التحديات الحالية والمستقبلية الأكثر إلحاحًا. ويذكّر التقرير بوعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عدة مناسبات بإنهاء حروب واشنطن في الشرق الاوسط للحفاظ على حياة الأمريكيين.

لكنه يشير إلى أنّ تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط يتطلب تحقيق توازن صعب هو تقليل البصمة العسكرية الأمريكية التي عفا عليها الزمن دون خلق حالة جديدة من انعدام الأمن، مع الحفاظ على الردع والتأثير عند الحاجة للحفاظ على المصالح الأمريكية الرئيسية المتبقية.

 ويعتبر الكاتبان انه حتى الآن تركزت المحادثات حول الدبلوماسية الإقليمية حول الكيفية التي قد تعيد بها الولايات المتحدة وإيران إبرام الاتفاق النووي في ظل رئيس ديمقراطي جديد واعتبرا أن التخلي عن مسار تصادمي بشأن الملف النووي أمر ملح وأساسي. لكنه ليس العمل الدبلوماسي الوحيد الذي يجب على الولايات المتحدة القيام به. ومع ذلك، إذا توافقت الظروف مع التشجيع الخارجي، فقد يكون هناك مجال لإجراء محادثات أكبر حول اليمن وسوريا ودول الخليج وحول الأمن البحري.

ويقول التقرير، لقد حاولت الولايات المتحدة مرارًا استخدام الوسائل العسكرية لتحقيق نتائج غير قابلة للتحقيق في الشرق الأوسط، مؤكدة أن الوقت قد حان الآن لمحاولة استخدام الدبلوماسية لتحقيق نتائج أكثر استدامة.

‭}}}‬

تراجع للوراء

 من الملاحظ أن كثيرا من المحللين والخبراء في مناقشتهم للقضية ركزوا على الموقف الإيراني بالذات، وتوقفوا هنا عند قضايا مختلفة لها أهمية كبيرة.

 من هذه القضايا مثلا محاولة تفسير لجوء النظام الإيراني إلى التهدئة مع أمريكا في الفترة الماضية وما وراء ذلك.

 من أهم التحليلات هنا مقال نشرته «الإندبندنت» البريطانية كتبه أحمد أبو دوح الذي حاول تفسير ما قال انه «تراجع للوراء» من جانب إيران في تصعيد الصراع مع الولايات المتحدة. 

الكاتب يقول إن إيران «تنتقل من سياسة حافة الهاوية إلى فن استرضاء الولايات المتحدة». ويتوقع ان «تستمر هذه الاستراتيجية الإيرانية الجديدة خلال الفترة المتبقية من فترة رئاسة دونالد ترامب».

ويعتبر الكاتب أن «السبب الحقيقي وراء تراجع إيران هو أن السلطات الإيرانية فوجئت بالاضطرابات التي أعقبت إسقاط شركة طيران أوكرانية بـ(خطأ بشري) ولا يمكنها المخاطرة بتداعيات سياسية لأزمة أخرى في وقت يتسم بعدم اليقين الاقتصادي الكبير». ويضيف أنه ليس من المفاجئ أن المسؤولين الإيرانيين وصلوا إلى إدراك أنه يجب التفكير بشكل مختلف بينما تنتقل بلادهم إلى نظام عالمي جديد غير مؤكد. قد يبدو الاسترضاء خيارا جذابا، على الأقل في الوقت الحالي.

ويعتقد الكاتب أن وباء فيروس كورونا خلق إجماعا بين الحزبين (الجمهوري الحاكم والديمقراطي المعارض) في الولايات المتحدة حول تحويل الموارد إلى مواجهة طويلة الأمد مع الصين، لذا فإنه «ربما غيّر هذا الحسابات الاستراتيجية في إيران نحو التوصل إلى صفقة نووية جديدة وأكثر شمولا مع الغرب، والتي قد تشمل أيضا ترتيبات حول قضية نفوذها الإقليمي. ويمكن أن يثْبُت أن هذا هو الحل المثالي لإيران، حيث تسعى جاهدة لتجنب تحول نزاعها إلى ورقة في حرب باردة صينية- أمريكية جديدة».

‭}}}‬

المتشددون وموقفهم

 ومن أهم القضايا التي ناقشها المحللون مسألة فوز المحافظين في انتخابات البرلمان واحتمال فوزهم في انتخابات الرئاسة وتأثير ذلك على احتمالات التفاوض مع أمريكا.

تحليل مطول نشرته رويترز ناقش هذه القضية ونقل عن بعض المطلعين على الشأن الإيراني من الداخل قولهم إن الزعيم الإيراني علي خامنئي قد يضطر إلى «تجرع كأس السم» من جديد في إشارة إلى تصريح شهير أدلى به سلفه الخميني عندما اضطر إلى الموافقة على هدنة توسطت فيها الأمم المتحدة وأنهت الحرب العراقية الإيرانية، ويذكر التحليل ان الوضع الهش للاقتصاد الإيراني لا يترك الكثير من الخيارات أمام السلطات الحاكمة خاصة بعد أن أضعفته حملة «الضغوط القصوى» التي تنتهجها الولايات المتحدة وأدت إلى خنق صادرات النفط الحيوية كما أضعفه أيضا الفساد وسوء الإدارة مما أقصى العديد من الإيرانيين.

وقال مايكل تانشوم الباحث البارز في المعهد النمساوي للسياسات الأوروبية والأمنية لرويترز «إيران على بعد أزمة واحدة في النظام لتصل إلى نقطة الانهيار». وتابع قائلا «لتجنب نقطة الانهيار تلك قد يقدم غلاة المحافظين في إيران تنازلات للولايات المتحدة من أجل استمرار النظام القائم».

وقال مسؤول إيراني كبير «عيون غلاة المحافظين معلقة بالرئاسة... فوز غلاة المحافظين بالانتخابات الرئاسية إضافة إلى الصعوبات الاقتصادية المتنامية قد يفتح صفحة جديدة بين إيران وأمريكا».

تحليل مطول آخر بعنوان «براجماتية حافة الهاوية» نشره موقع إيراني مهم. التحليل يعتبر ان العلاقة بين أمريكا وإيران، ولا سيما خلال ثلاثة عقود ماضية من قيادة آية الله علي خامنئي، شهدت عدة أطوار من البراجماتية. يمكن تلخيصها كالتالي:

براجماتية اقتصادية خلال فترة حكم الرئيس اكبر هاشمي رفسنجاني بين 1989 و1997، شهدت تبادل رسائل مع إدارتي الرئيس جورج بوش الأب ولاحقا بيل كلينتون، لكنها جوبهت بسياسة الاحتواء التي اتبعتها واشنطن ووصفها إيران بدولة مارقة براجماتية مثالية حالمة خلال ولاية الرئيس محمد خاتمي صاحب مشروع حوار الحضارات الذي أطلقه في الأمم المتحدة في مواجهة نظرية صدام الحضارات للمفكر الأمريكي المعروف صامويل هنتجنتون. الحوار الأمريكي الإيراني كاد يصل إلى أهدافه المقصودة، لكن عملية بناء الثقة لم تكتمل. 

براجماتية هجومية فجة مع محمود أحمدي نجاد، الرئيس الأكثر إثارة للجدل في إيران خلال العقود الماضية. رفع أحمدي نجاد سقف الخطاب بشكل كبير، لكنه في ذات الوقت كان يرسل رسائل علنية عبر الصحف الأمريكية تغمز من قناة الحوار. 

براجماتية عملية كتب لها أن تكون سيئة الحظ مع الرئيس حسن روحاني ورئيس دبلوماسيته محمد جواد ظريف. كل شيء في المسار جرى كما هو مكتوب في نظريات العلاقات الدولية لكن ما لم يكن بالحسبان أن الاتفاق الذي وصف حينها بالتاريخي واتفاق القرن لن يصمد أكثر من عامين وسيبدأ مسار السقوط مع مجيء إدارة جديدة في واشنطن. 

ويخلص التحليل إلى ان أمريكا وإيران وصلا معًا في أكثر من مناسبة خلال عام من التصعيد إلى حافة الهاوية وإلى بابها، إلا أن الواضح أن أحدًا منهما لم يكن يرغب في استكشاف ما بعد الباب، بل في التجهيز لصناعة السلم والخروج وإعادة تصميم طاولة مفاوضات تناسب الظروف الحالية، ولا يهم أكان ذلك ببراجماتية عملية، أم هجومية، أم ربما بوصفة جديدة مختلفة عن كل ما جرى اختباره خلال العقود الماضية. المهم في هذا الإطار أن يكون هناك في الأصل قرار من أعلى سلم القيادة في طهران يعطي الضوء الأخضر 

‭}}}‬

تيار جديد

 معروف ان هناك تيارا قويا في إيران يرفض فكرة التفاوض مع أمريكا في كل الأحوال.

لكن من أهم التطورات التي رصدتها ان هناك تيارا جديدا في إيران بدا يعلو صوته في الفترة الماضية يتبنى الدعوة إلى التفاوض مع أمريكا والسعي إلى التوصل إلى اتفاق معها.

 الملفت هنا ان هذا التيار يعبر عنه كتاب ومحللون وباحثون واساتذة جامعات يطرحون آراءهم في الصحف الإيرانية داخل إيران. 

وسأقدم نماذج لما يطرحه هؤلاء.

على سبيل المثال، حين حدث «تبادل السجناء» بين أمريكا وإيران، رأى الأستاذ الجامعي صلاح الدين هرسني، أن توجهات مواقف مسؤولي طهران وواشنطن في الوقت الراهن من الممكن أن تستخدم فكرة «تبادل السجناء» لحل أكبر مشاكل العلاقات بين إيران وأمريكا. وقال إن «تبادل السجناء من الممكن أن يصبح مقدمة وبداية للوصول إلى أفكار أكبر أي التفاوض وبالتالي تذويب جليد العلاقات بين طهران وواشنطن».

وكتب هرسني في مقاله بصحيفة «جهان صنعت» الاقتصادية، أن تبادل السجناء الأخير، خطوة لم تلق واشنطن بها كرة التفاوض لملعب طهران فحسب، بل إشارة إلى أن التعامل مع إيران بخصوص موضوعات مثل التفاوض ليس مشكلة، بل هو أمر ممكن، كما أن محاولة استئناف العلاقات مع واشنطن من خلال الدبلوماسية الخفية أي تبادل السجناء قرار عقلاني ومنطقي. ورأى الكاتب أن فكرة تبادل السجناء والأفكار الشبيهة بها «حاجة حياتية للوضع الإيراني الحالي كما أن عوامل عدة مثل الأوضاع الاقتصادية غير المناسبة، وأوضاع ما بعد فيروس كورونا المستجد والحاجة إلى الحفاظ على الاتفاق النووي لعبت دورًا في قرار طهران الأخير».

وحث الكاتب على ضرورة «عدم حرق فرصة التفاوض مع أمريكا واستغلال الظروف الجديدة أقصى استفادة، خاصة إذا ما قلّص المسؤولون الأمريكيون من سلوكياتهم المزدوجة، وأخرجوا استراتيجية العقوبات والتفاوض من جدول أعمالهم، وقطعوا خطوات في إطار رفع بعض العقوبات».

 في نفس هذا الاتجاه، كتب المحلل السياسي علي صالح آبادي يقول ان هذا الوقت هو الوقت المناسب لقبول التفاوض مع أمريكا بسبب ضعف الرئيس ترامب في الوقت الحالي، ويمكن الحصول على امتيازات جيدة عندما يكون الطرف الآخر في حالة ضعف، ودعا الحكومة الإيرانية إلى الاستفادة من هذه الفرصة وعدم اضاعتها.

أيضا، أكدت الباحثة السياسية الإيرانية فاطمة طهماسبي أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فشل منذ توليه الحكم في إجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وفق شروط إدارته. وقالت في مقال في صحيفة «وطن امروز» الأصولية إن هذا لم يمنع واشنطن من تجديد الدعوة للتفاوض، خصوصا بعد تبادل السجناء الأخير، وهو الأمر الذي عدته الكاتبة تغيرًا في الاستراتيجية الأمريكية إزاء إيران، والذي جاء وفق قولها بعد انتشار فيروس كورونا في الولايات المتحدة، وما تلاه من احتجاجات هناك بعد مقتل جورج فلويد.

الكاتبة الإيرانية رأت أن الأزمات الداخلية أمام ترامب وإدارته في الوقت الراهن هي ما تدفعهم لتحقيق انتصار في السياسة الخارجية الأمريكية من خلال التوصل لاتفاق مع إيران، معتبرة أن نجاح ترامب في الوصول لذلك الأمر سيمنحه ورقة رابحة في الانتخابات المقبلة.

‭}}}‬

 

الحسابات العربية

في هذه المقالات قدمنا في البداية عرضا للشواهد العملية سواء تمثلت في مواقف معلنة أو تطورات فعلية شهدتها المنطقة. وقدمنا بعد ذلك قراءة للحسابات الأمريكية والإيرانية فيما يتعلق بالقضية. وقدمنا عرضا لتقديرات وآراء بعض من أهم المحللين والخبراء.

 وكما رأينا، فإن كل الجوانب الثلاثة على النحو الذي عرضناه تقود إلى نتيجة واحدة، هي أن احتمال الدخول في مفاوضات بين أمريكا وإيران سعيا للوصول إلى اتفاق أو صفقة مرجح جدا، وله كل المبررات.

 لكن هذا لا يعني بطبيعة الحال ان هذه المفاوضات يمكن أن تجري في وقت قريب أو أن الوصول إلى مثل هذه الصفقة هو تطور وشيك الحدوث.

 كما لا يعني هذا ان هذا الاحتمال سيتحقق بالضرورة بنسبة مائة في المائة، ففي عالم السياسة كل شيء يمكن ان يحدث وأن يتغير في أي وقت.

 في كل الأحوال، ليس من المرجح أن تجري مثل هذه المفاوضات في الأشهر القليلة القادمة قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية، وأيضا قبل انتخابات الرئاسة في إيران.

 القضية ستبقى معلقة لأسباب كثيرة مفهومة حتى تجري انتخابات الرئاسة في البلدين ومعرفة من سيفوز فيها.

 عموما يبقى التساؤل الكبير مطروحا.. ماذا عن الحسابات العربية؟.. أي موقف يجب أن تتخذه الدول العربية إزاء هذه التطورات والاحتمالات؟

 الجواب في تقديري يتمثل في أمر واحد.. الدول العربية يجب أن تبني حساباتها على أساس ان «صفقة القرن» هذه بين أمريكا وإيران آتية لا محالة. ليس مهما هنا ان كانت ستأتي بعد أشهر أو عام أو أكثر أو أقل.

 والدول العربية يجب أن تعي ان هذه الصفقة لو تمت فسوف تكون حتما على حسابها.. على حساب مصالحها الاستراتيجية وأمنها واستقرارها.

 البعض قد يقول هنا ان هذا قد لا يكون صحيحا لأن اتفاقا جديدا بين أمريكا وإيران قد يضع قيودا على سياسات إيران وممارساتها الإرهابية العدوانية في المنطقة، وبالتالي يحد من خطرها.

 وهذا ليس تقديرا سليما في رأيي. والأمر هنا ببساطة، إذا كانت أمريكا قد عجزت عن ردع إيران وتحجيم خطرها ودفعها لتغيير سياساتها بالعقوبات القاسية وسياسة الضغوط القصوى فهل ستنجح في هذا عن طريق الاتفاق والتفاهم وعقد الصفقات؟

 حقيقة الأمر ان هذه الصفقة لو تمت فستكون بالفعل زلزالا سياسيا يهز المنطقة، ويفرض أوضاعا جديدة خطيرة.

 أكثر من هذا، أي صفقة يعقدها ترامب مع إيران ستكون على الأرجح أسوأ بكثير من الاتفاق النووي الذي وقعه أوباما ووقف وراءه. السبب أن صفقة ترامب سوف تكون بمثابة تحول جذري وأكثر شمولا وأبعد أثرا في العلاقات الأمريكية الإيرانية وفي أوضاع المنطقة.

 ولكن، ماذا يعني بالضبط أن تبني الدول العربية حساباتها على هذا الأساس؟.. أي نوع من المواقف والسياسات يجب أن تتخذ؟

 إذا عقدت الصفقة بين أمريكا وإيران بالأبعاد التي تحدثنا عنها فإن أمام الدول العربية باختصار شديد مهمتين أساسيتين:

أولا: إعادة النظر جديا وجذريا في التحالف الاستراتيجي مع أمريكا.

 المسألة هنا انه إذا عقدت أمريكا هذه الصفقة على حساب العرب، فسيكون التحالف الاستراتيجي مع الدول العربية منتهيا بحكم الأمر الواقع، ولن يكون لاستمراره مبررات استراتيجية كثيرة مقبولة بالنسبة لنا.

 القضية أنه إذا تخلت أمريكا عن هدف ردع إيران ووضع حد لسياستها وممارساتها الإرهابية في المنطقة العربية، وتخلت بالتالي عن التزامها بحماية الدول العربية الحليفة والدفاع عنها في مواجهة الخطر الإيراني الذي هو أكبر الأخطار التي تهددها حاليا، فلن يبقى للتحالف معنى أو قيمة بعد ذلك.  إذا كانت الدول العربية الحليفة لأمريكا قادرة على اقناعها أو دفعها كي تتخلى عن هذا الطريق فلتفعل ذلك الآن.

 نعني ان الدول العربية من المفترض ان تستخدم كل أوراقها في العلاقات مع أمريكا، وهي أوراق كثيرة، كي تحول دون إقدام الإدارة الأمريكية على عقد صفقة مع إيران على حساب المصالح العربية.

 إذا لم يكن بمقدور الدول العربية ان تفعل هذا، وتم التوصل إلى مثل هذه الصفقة بالفعل، فيجب أن تفض التحالف الاستراتيجي مع أمريكا.

 ويعني هذا بداهة ضرورة الشروع منذ الآن في عقد تحالفات استراتيجية جديدة مع قوى عظمى أخرى تكون على استعداد للوقوف بجانب العرب في دفاعهم عن مصالحهم وأمنهم في مواجهة خطر إيران وغيره من الأخطار.

ثانيا: انه في كل الأحوال، وقد قلنا هذا مرارا من قبل، ان الدول العربية يجب أن تبني حساباتها على أساس أن عبء ردع إيران وإنهاء الخطر الإيراني وحماية أمن دولنا واستقرارها، يقع عليها هي وليس على أي أحد آخر بكل ما يعنيه ذلك ويترتب عليه من سياسات وإجراءات عملية. 

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news