العدد : ١٥٤٧٣ - الاثنين ٠٣ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٣ - الاثنين ٠٣ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ذو الحجة ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

لكل مرحلة عمرية «أحكامها»

كتبت بالأمس مستنكرا وقوف الكثيرين أمام المرايا للبكاء على أطلال وجوههم التي ترهلت وتكرمشت وتقرمشت بسبب التقدم في السن، ونعيت على آخرين وخصوصا منهم في سن الشباب الوقوف المتكرر أمام كل مرآة يجدونها، وكأنما وجوههم تتعرض لنكسات أو طفرات كل بضع ساعات، وقد أعذر الشباب على حرصهم الشديد على استشارة المرآة على نحو متكرر في شؤون ما طرأ وما قد يطرأ على ملامحهم، ولكنني أقول لمن «فاتهم القطار» على قول الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح وسأضيف إلى ما قلته بالأمس أن الشكوى من التغيرات في تضاريس الوجه والملامح لا تقدم بل تؤخر.

قف أمام المرآة واصرخ: ما هذا؟ من هذا؟ يا نهار أسود ومنيل.. متى حدث لي كل هذا؟ شنو دا؟ دا أنا غلبان.. هل هذا وجه أقابل به «المجتمع»؟ أكيد أصحابي وزملائي يشمتون عليَّ بسبب وجهي الذي يبدو أنه انحشر وانطعج وانبعج بين سيارتي هامر!!.. كل ما ستجنيه من مثل هذا العويل هو أن خطا إضافيا سميكا سيظهر على جبهتك، وقد تتشكل بين عينيك علامة تعجب من فرط التحديق الطويل في المرآة، كما سيمتلئ الكيس الذي يقع تحت جفنك السفلي بدموع صلبة لا يزيلها أي نوع من المساحيق.

لو سألتني ما هو الممتع في التقدم في السن لقلت لك: لست مطالبا بمذاكرة دروس أو الجلوس لامتحان.. ولن تخضع لاختبار قيادة السيارات.. وتطلع وتنزل بكيفك وعلى كيفك، ولا تتعرض كثيرا للزجر والنهر والتوبيخ (ما لم تكن من النوع الذي يكبر بجهله أي يظل طائشا نزقا طوال مسيرة حياته).. والأهم من كل ذلك أن التقدم في السن يعطيك مهلة وقتية أطول لفعل الأشياء التي تحبها، ما لم تكن قد قضيت سنوات عمرك الفائتة اتكاليا يعتمد على الغير في تزجية وتمضية الوقت.

والبعبع الذي يخيف كثيرين ممن يتجاوزون الخمسين أو الستين هو التقاعد عن العمل، في حين أن التعامل مع العمر ينبغي أن يكون مثل التعامل مع الحساب المصرفي إذا أدرته بعقلانية وحكمة بعيدا عن التهور والطيش والنزق والتبذير أو التقتير فإنه يتراكم ويصبح وسادة تتكئ عليها وتعطيك الإحساس بالطمأنينة «ساعة العوزة». يعني على ابن العشرين أن يتحسب لسن الستين، ولا طائل من التفكير في التقاعد كبرواز/ إطار من غير صورة، أي لا بد من رسم لوحة تليق بالإطار، ثم لماذا التقاعد أصلا؟ أليست الغاية منه تحقيق قدر من العدالة للأجيال الشابة وإنصافهم، فخلق فرص عمل وترقي للشباب يتطلب إبعاد من ظلوا يعملون لسنوات طويلة عن سوق العمل، ثم إن الأصل في الإحالة «على المعاش» هو «التكريم»: قدمت الكثير من سنوات عمرك في خدمة الشركة أو المؤسسة أو الإدارة الحكومية ومن حقك أن تجلس في بيتك وتتقاضى مكافأة نظير تلك السنوات، ولكن أنت لست مطالبا بلزوم البيت لأنك «متقاعد» وعلى المستوى الشخصي فقد ظل حلم حياتي أن «أتقاعد» ولا ارتبط بوظيفة بها قيد زمني يحكم الحضور والانصراف، ولكنني لا أعتزم التوقف عن «العمل» طالما في جسمي شيء من العافية؛ والعمل ليس بالضرورة منظومة من الأنشطة تؤديها نظير عائد مادي.. بل قد يكون أن قد تقرأ كتبا لم تسمح ظروفك من قبل بقراءتها أو تدوين ونشر أشياء ظللت تخترنها في ذاكرتك أو في شكل قصاصات.. أو بالعمل التطوعي مع العجزة والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة.. أو بأداء أشياء منزلية.. وإلا فإنك ستتحول إلى شخص نقناق وحشري ويصبح وجودك في البيت عبئا نفسيا مرهقا على الآخرين.

وأعود إلى نقطة الاتكالية التي تعرضت لها أعلاه: سأظل أردد أن أتعس الناس في شبابه وشيخوخته من ظل يعتمد على الآخرين في تمضية الوقت، بمعنى أن يكون محتاجا على الدوام إلى شخص يؤانسه، والتواصل مع الناس ممتع ومفيد وضروري، ولكن الأولوية ينبغي أن تكون للتواصل مع الذات، بمعنى أن تتمتع بالحكم الذاتي الذي يكفل لك إدارة شؤون حياتك وتخصيص القسم الأعظم من وقتك لفعل أشياء مفيدة تجد فيها المتعة والرضا عن النفس. أما إذا كنت ستشكو من انفضاض الناس من حولك بسب انشغالهم بأمورهم الحياتية فإنك ستموت عدة مرات يوميا.. وعندنا مثل في السودان يقول «كثرة العتاب تزيد الجفاء» يعني كلما عاتبت الآخرين على تقصيرهم نحوك على نحو متكرر كلما ازدادت الفجوة بينك وبينهم اتساعا.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news