العدد : ١٥٥٢٥ - الخميس ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٥ - الخميس ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

من لطائف التدبر!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

ظل بعض المسلمين ردحًا من الزمن مشغولين بحفظ القرآن الكريم، وتجويد تلاوته، وغفلوا عن تدبر آياته وسوره، ولا أدري كيف حصل هذا ودعوة القرآن للتدبر واضحة جلية، يقول سبحانه وتعالى: «كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب» (سورة ص/ 29).

ولقد أكد القرآن الكريم على هذه الدعوة في سورة القمر حيث ذكر الله تعالى ذلك في أربع آيات كريمات، وهذه الآيات هي: (17 و22 و32 و40) في قوله تعالى: «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر» سورة القمر.

ولقد أعان الله تعالى عباده المؤمنين على تدبر آياته وسوره بأن قام بتيسير فهم هذا القرآن للناس ولم يكل ذلك إلى غيره من الملائكة أو البشر إلا بعض آياته قام الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) بتدبرها لأن سبب نزولها ووقته استلزم ذلك التدبر، وبيان المراد منها.

ومعلوم أن مجرد الاستماع إلى القرآن لا يقود إلى التدبر، بل لا بد من الإنصات للقرآن، وذلك حين يعزل السامع للقرآن أو التالي له سمعه عن جميع المسموعات ويقصره على مسموع واحد هو صوت الآيات المتلوة، يقول سبحانه وتعالى: «وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون» الأعراف/ 204.

لقد أرشدنا الحق سبحانه وتعالى إلى أن التدبر هو سبيلنا إلى الرشد، وهو دليلنا على أن هذا القرآن هو كلام الله تعالى الواحد الأحد، قال سبحانه: «أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا» النساء/ 82.

إذن، فعن طريق التدبر نصل إلى اليقين في أن أصل هذا الكلام المعجز هو الوحي، «... وإنه لكتاب عزيز(40) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد(42)» فصلت.

ومؤكد أن هذا لا يتحقق إلا من خلال التدبر، وهو لا يتحقق بمجرد الحفظ والتجويد، بل يتحقق من خلال الإنصات والتدبر، ومن واقع هذا الفهم الذي نرجو أن يكون سديدًا راشدًا سوف نذكر بعض لطائف التدبر في القرآن الكريم. يقول الله تعالى: «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون» الأعراف/ 32.

هذه الآية الجليلة فيها عدة لطائف، اللطيفة الأولى: أنه كما أن هناك زينة الله تعالى، فكذلك هناك زينة الشيطان التي حرمها الله تعالى على نساء المؤمنين، وهذه الزينة المحرمة ذكرها الله تعالى في قوله سبحانه: «وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا» الأحزاب/ 33.

اللطيفة الثانية: أن خطاب الحق سبحانه للخلق في هذه الآية اتسم بالإنذار الشديد، والاستنكار العظيم بأن التألي على الله تعالى، ومحاولة التطاول على شريعته يسبب غضب الرب سبحانه، ولذلك جاء الخطاب في قوله تعالى: «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق...»، وكأن الحق سبحانه يتوعد من تطاول على حماه، ويدعي ما ليس من حقه في تحليل ما حرم الله تعالى، وتحريم ما أحل، لأن الله تعالى وحده هو المشرع الذي يحل ويحرم ما يشاء، وتأملوا خطاب الله تعالى إلى رسوله (صلى الله عليه وسلم): «يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم» التحريم/ 1.

أما اللطيفة الثالثة: أن هناك من يظن أن المؤمن محرم عليه أن يأخذ شيئًا من متع الدنيا الحلال وأنها مقصورة على الشاردين عن منهج الله تعالى وأن حظ المؤمنين من متع الدنيا هو في الآخرة فقط ولا نصيب لهم في الدنيا، الآية الشريفة تقول بغير هذا، فهي تجعل للمؤمن نصيبًا مفروضًا من متع الدنيا الحلال، وليس هذا فحسب، بل تجعل متع الآخرة خاصة به وحده لا يشاركه فيها أحد.

اللطيفة الرابعة: أن زينة الله تعالى لعباده المؤمنين هي فيما أباحه الله تعالى لهم، وخاصة المرأة، وذلك فيما أجازه لها من إظهار مواضع الزينة التي أباحها الله تعالى كالوجه والكفين، أما زينة الشيطان المنهي عنها، والتي حرمها الله تعالى على نساء المؤمنين، وطهر أزواج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منها، والتي ذكرها الله تعالى في الآية (33) من سورة الأحزاب هي في إظهار ما حرم الله تعالى إظهاره من جسم المرأة المؤمنة، والذي لا يمكن رؤية زينة المرأة إلا بكشفه، فالزينة ليست محرمة لذاتها، بل لأنها على موضع من الجسم محرم، فحتى حين تتزين المرأة بالزينة الحلال لكنها تضعها في الموضع الحرام، فحتى هذا يعتبر من تبرج الجاهلية الأولى المنهي عنه.

من لطائف التدبر في القرآن الكريم أمر له اتصال مباشر أو غير مباشر بعلاقة المؤمنين بالحضارة المعاصرة: ما تثيره في نفس المؤمن من يأس أو قنوط، ومعلوم أن القنوط درجة من اليأس قد تفضي بصاحبها إلى الاكتئاب الذي قد يؤدي في بعض الأحيان إلى قتل النفس، وما أكثر ما نسمع عن شباب في عمر الزهور قد أدى بهم اليأس والضيق بالحياة إلى الانتحار، ولقد كان الإسلام حريصًا على علاج هذه الظاهرة المدمرة، يقول تعالى لأمثال هؤلاء الشباب: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم» (الزمر/ 53)، والذي يزيدنا ثقة ويقينًا في موعود الله تعالى لعباده المؤمنين هو قوله تعالى: «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيدا» النساء/ 116.

إذا نجوت أيها المؤمن من الشرك فقد نجوت مما هو دونه، فعاهد نفسك على أن تظل في دائرة الإيمان ولا تغادرها مهما أَلَمَّ بك من يأس أو حتى من قنوط، بل أبشر وتفاءل بالخير، فقد وعد الحق سبحانه المؤمنين بأن يبدل سيئاتهم حسنات إذا هم أدوا مَطلوبات الإيمان، يقول سبحانه: «والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما(68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا(69) إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيما(70) (سورة الفرقان)، فهو سبحانه لا يغفر الذنوب فقط، بل يبدلها حسنات، فيكبر رصيد عبده من الحسنات، وهو لم يعمل ما يستحق عليها من الطاعات، ويكفيه أنه أخلص في عبوديته لخالقه سبحانه، ونهى النفس عن الهوى وعن المعاصي.

هذه جولة إيمانية تدبرية ألممنا فيها ببعض لطائف التدبر في القرآن الكريم، فإن أصبنا فذلك من الله تعالى وتوفيقه، وإن أخطأنا فمن نفوسنا المقصرة ونسأله سبحانه المغفرة على ذلك.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news