العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

لماذا صدم الشعب العراقي باغتيال الهاشمي؟

بقلم: د. شمسان بن عبدالله المناعي

الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

شكل اغتيال هشام الهاشمي المحلل السياسي والخبير الفني العراقي صدمة في أوساط العراقيين وعودة إلى المربع الأول، إذ إنها حادثة تنذر بعودة مرحلة الخطف والاغتيالات والعنف التي كانت تمارسها مليشيات ما يسمى الحشد الشعبي منذ 2006 حتى الآن لأي شخص يعارضها أو يتحدث عنها، في الوقت الذي لا يزال الشعب العراقي يعيش حياة صعبة ومعاناة مستمرة مثل البطالة والفقر ونقص الخدمات مثل الكهرباء والماء وهو في بلد يعتبر من الدول الغنية بالثروات مثل النفط والزراعة والأنهار والموقع الجغرافي المتميز. ورغم كل ذلك لم تفلح حكومات الولي الفقيه الثلاث في تغيير هذا الواقع بل على العكس زادت الطين بلة، كل ذلك بسبب أن النظام الإيراني هو الذي يملك سلطة القرار السياسي.

لذلك فالسؤال الذي لا يزال هنا هو، ما السر في اغتيال هاشم الهاشمي؟ الذي لم يكن إلا محللا سياسيا وخبيرا فنيا وليس له علاقة بالنظام السياسي وكل ما عرف عنه أنه معارض للنفوذ الإيراني في العراق وقال مايكل نايتس، محلل أمني في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: «الأمر كله يتعلق بالكاظمي»، مشيرا إلى أن الانتقادات للمليشيات من قبل الهاشمي لم تكن جديدة، وما تغير مؤخرًا هو وصول الكاظمي إلى السلطة. ولذا ليس من المستبعد أن من قام بتنفيذ هذا العمل الإرهابي هم من سموا أنفسهم (الحشد الشعبي) وعلى رأسهم «حزب الله» العراقي بتوجيه رسالة إلى الكاظمي وإلى كل من يريد أن يستقل بالعراق، والذي يدل على أن الحشد الشعبي في دائرة الاتهام أن هذا هو أسلوبهم، فلقد قتلوا من قبل رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري من قبل «حزب الله» ذراع إيران في لبنان ومن بعده الكثيرون، وقتلوا الآن الهاشمي في العراق، ولا تزال هناك أسماء على اللائحة السوداء لديهم، فهذا هو ديدنهم لعل الخصم يهابهم بينما هذا النهج يعود عليهم بالعكس، فها هي مرجعيتهم المتمثلة في النظام الإيراني يتم اليوم تهميشها في سوريا من قبل النظام التركي وروسيا، وها هو شعب لبنان مستمر في ثورته منذ سنة أو أكثر ويطالب بحاجات معيشية كالخبز.

كذلك في العراق الوضع السياسي مشابه لما يحدث في لبنان، حيث لا يبقى رئيس وزراء في الحكم إلا فترة واحدة ويرحل، والآن جاء برئيس وزراء مقبول وهو مصطفى الكاظمي الذي يريد أن ينقذ العراق من الأطماع الإيرانية ويريد الاستقرار للعراق ويحقق وعوده للشعب العراقي، بينما هو غير مقبول من قبل النظام الإيراني وحاشيته في العراق، لذا يحاولون أن يضعوا له العصا في العجلة لإسقاطه؛ لأن من مصلحة النظام الإيراني أن يبقى الوضع السياسي والعسكري في المنطقة بما فيها العراق ولبنان وسوريا واليمن كما هو عليه في حالة تأزم سياسي، وخاصة بعد إدراكه أن أذرعه في المنطقة بدأت تتراخى وتضعف قبضته سواء في لبنان حيث «حزب الله» الذي يحكم، فقد أخذ يتوارى عن الأنظار ويتشدق بتحرير القدس حتى يلمع من صورته أمام الشعوب العربية والإسلامية والعقوبات الأمريكية من ناحية تزيد كل يوم من تضييق الخناق على اقتصاد النظام الإيراني وتهميشه، وبدورها القوميات في داخل إيران بدأت تستعيد قواها لاقتناص الفرصة وتحقيق أهدافها مثل الأكراد والبلوش والعرب في الأحواز وغيرهم، وما مطالبة بعض النواب في إيران بمحاكمة روحاني إلا تضحية بالكبش الكبير من أجل الانسحاب من هذا الوضع الذي هم فيه وبسبب الخلافات بين رموز حكم الملالي التي برزت مؤخرا؟

هذه المرة لن يستمر الوضع كما كان عليه في السابق بسيطرة الحرس الثوري الإيراني على مفاصل الدولة في العراق بسبب المتغيرات الخارجية التي تحدث والضغط المتواصل على نظام الملالي من قبل المجتمع الدولي، والأهم أن الشعب العراقي لن يسمح بأن يكون العراق مسرحا للإرهاب العنصري، وخاصة أن الخبرات اللاشعورية المؤلمة عند الشعب العراقي والمختزلة في عقله الباطن منذ حرب الخليج الأولى التي استمرت عشر سنوات منذ 1980 إلى 1998 تجعله لا ينسى كل ما فعله النظام الإيراني به؛ لأن خبرات الشعوب لا تقاس بعقد واحد من الزمن أو أكثر من العقود، ولو كان كذلك لنسيت كل الشعوب ما مر بها من أحداث غيرت من مسيرة حياتها كلها مثلما حدث للشعب الياباني مهما طال عندما استهدف بالقنبلة الذرية، لا تزال هذه الحادثة عالقة بأذهان الشعب الياباني وهي التي جعلته يعيد بناء دولته ويجعلها من أكبر الدول الصناعية في العالم الآن، وكذلك ألمانيا التي هزمت في الحرب العالمية الثانية ها هي توحدت، لذلك فمهما طال الزمن تظل هناك قوانين لتاريخ تطور الدول، وهي التي سوف تجعل الشعب العراقي يتخلص من حكم قساوسة القرون الوسطى ويلحق بركب التطور الحضاري الإنساني مع بقية دول العالم.

مقتل المحلل السياسي والخبير الأمني العراقي هشام الهاشمي هو رسالة موجهة إلى رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الذي دخل في لعبة لي ذراع ضد المليشيات المقربة من إيران، والتي تشكل دولة داخل الدولة، وكان هشام الهاشمي ينتقدها باستمرار. هذا الرأي يكتبه الصحفي المختص في قضايا الشرق الأوسط جورج مالربينو في صحيفة لوفيجارو. يرى الكاتب أن رئيس الوزراء العراقي وهو مدير مخابرات سابق هو الوحيد الذي تجرأ على مواجهة هذه المليشيات وهي قوات إيرانية تتلقى السلاح والأوامر من إيران ولا تخفي تنفيذها لأجندة إيرانية. 

وهذه المرة لن يستمر الوضع كما كان عليه في السابق من حيث سيطرة الحرس الثوري الإيراني على مفاصل الدولة في العراق ليس لأن مهندس هذا المخطط قاسم سليماني قد غادر المشهد السياسي، ولكن لأن الشعب العراقي لن يسمح بأن يكون مسرحا للإرهاب العنصري إلى ما لا نهاية، وإن غدا لناظره قريب.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news