العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

لغة ترامب الخطابية ورؤيته السياسية قد تُقوض إعادة انتخابه

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

السبت ١١ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

في خضم أزمة جائحة فيروس كورونا، والاحتجاجات الواسعة النطاق المناهضة للعنصرية في أمريكا؛ تقترب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، التي مما لا شك فيه تعتبر واحدة من الانتخابات الأكثر أهمية في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، في ظل وجود مرشحين بارزين هما «دونالد ترامب» و«جو بايدن»، بما لديهما من سياسات خارجية ومحلية مختلفة تماما ومناقضة لبعضها بعضا.

وقبل أربعة أشهر فقط من انتخابات نوفمبر 2020 بدأ «ترامب» حملة إعادة انتخابه على نطاق واسع بخطاب مثير للجدل للاحتفال بيوم (الاستقلال) الأمريكي. وفي حديثه، بجبل «راشمور» في ولاية «داكوتا» الجنوبية، هاجم مرة أخرى خصومه السياسيين، مدعيا أنهم «يهددون المجتمع الأمريكي بشكل مباشر». وكرر ذلك في خطاب ثان في واشنطن، ما زاد من حالة الجدل. وكان التركيز الأساسي لخطاباته منصبا على مكافحة ما أسماه «الهجوم على أمريكا من الفاشية اليسارية»، إذ زعم أن خصومه يسعون إلى إعادة كتابة التاريخ الأمريكي وتهديد قيمه بشكل مباشر، وأشار بوضوح إلى الطريق الذي ستتبعه حملته الانتخابية لإعادة انتخابه، وهو «السعي لتقسيم أمريكا بدلا من توحيدها». ووفقا لشبكة «بي بي سي» البريطانية فإنه في هذه المناسبة «اعتاد الرؤساء على مر التاريخ إلقاء خطب لتمجيد فضائل الوحدة»، وبدلا من ذلك «صعّد الرئيس الحالي فقط لهجة خطابه».

وتعد نقطة الحديث الرئيسية في خطابه الأخير في جبل راشمور هي هجومه على ما يدعي أنها «تهديدات مباشرة ووجودية للقيم الأمريكية». وكتبت «آني كارني» في صحيفة «نيويورك تايمز» أن «ترامب استغل عطلة نهاية الأسبوع في الرابع من يوليو، لبث التفرقة أثناء احتفال وطني، إذ أشار بشكل أكثر وضوحا إلى أنه سوف يستغل وجود توترات عنصرية وثقافية لنشر الخوف بين قاعدة مؤيديه البيض في محاولة للفوز بإعادة انتخابه. وللقيام بذلك استخدم بشكل غير مفاجئ تكتيكه المعتاد وهو «لغة مبالغ فيها ومروعة». وصب الرئيس الأمريكي معظم غضبه تجاه الجماعات اليسارية المناهضة للعنصرية والمؤسسات والمتظاهرين الذين عارضوا رئاسته باستمرار. 

وأثارت العديد من هذه الجماعات صخبا خلال الاحتجاجات المناهضة للعنصرية التي انتشرت في جميع أنحاء الولايات المتحدة بعد وفاة «جورج فلويد» -رجل أمريكي من أصل إفريقي- أثناء احتجازه لدى الشرطة. وحول الاحتجاجات الأخيرة لهذه الجماعات على عدم المساواة العرقية، التي تضمنت استهداف تماثيل الشخصيات التاريخية المرتبطة بالرق والظلم العنصري؛ قال ترامب: «إن أمتنا تشهد حملة لا ترحم للقضاء على تاريخنا، وتشويه سمعة أبطالنا، ومحو قيمنا.. الغوغاء الغاضبون يحاولون هدم تماثيل مؤسسينا وتشويه أقدس النصب التذكارية لدينا وإطلاق موجة من الجرائم العنيفة في مدننا».

وبالنسبة إليه، يُنظر بوضوح إلى هذه القضية المحلية على أنها «تحد سياسي» قبل كل شيء. وردا على ذلك حاول استحضار صوت وطني ضد خصومه، قائلا: «إنهم يعتقدون أن الشعب الأمريكي ضعيف وخنوع، ولكن لا، هو قوي وفخور ولن يسمح لبلدنا وجميع قيمها وتاريخها وثقافتها بأخذها منهم». مضيفا: «هذا هجوم على حريتنا الرائعة ويجب أن يتوقف، وسوف يتوقف.. سنكشف هذه الحركة الخطيرة، ونحمي الأمة من هذا الاعتداء الراديكالي، ونحافظ على أسلوب حياتنا الأمريكية المُفضل». 

وذهب إلى أبعد من ذلك، مدعيا أن الجماعات اليسارية والمناهضة للعنصرية «ترقى إلى الفاشية اليسارية المتطرفة»، وأشار إلى أن هذا أصبح الآن واضحًا «في المدارس الأمريكية وغرف الأخبار وحتى غرف اجتماعات الشركات». وتابع: «ثمة فاشية جديدة تنتمي إلى اليسار المتطرف تطلب الولاء المطلق.. إذا لم تتحدث بلغتها، وتنفذ طقوسها، وتردد تعاويذها وتتبع وصاياها؛ فستتعرض للرقابة والإبعاد وتدرج في قائمة سوداء وتتعرض للملاحقة والعقاب.. لن يحدث هذا لنا».

وفي محاولة لاستحضار صورة الرؤساء الذين تم نقش صورهم على جبل راشمور (جورج واشنطن، وتوماس جيفرسون، وثيودور روزفلت، وإبراهام لينكولن)، شبه «ترامب» تعامله مع مطالب مناهضة العنصرية والجماعات اليسارية بمطالب القادة الأمريكيين السابقين. ومن أجل هذه الرسالة الخاصة صرح: «هنا أمام أعين أجدادنا، يعلن الأمريكيون مرة أخرى، كما فعلنا قبل 244 عامًا، أننا لن نتعرض للاستبداد، ولا للمهانة، ولن نخاف من الأشرار.. ذلك لن يحدث.. نحن الآن بصدد هزيمة اليسار الراديكالي، والماركسي، والفوضوي، والمحرضين، واللصوص، والأشخاص الذين في كثير من الحالات لا يعلمون ماذا يفعلون».

وبالإضافة إلى أن وجود مؤيدين لترامب أثناء خطابه سيكون علامة على رفض الرئيس التقرب من خصومه السياسيين؛ إلا أنه أشار أكثر من أي وقت مضى إلى أنه لا ينسجم مع الجمهور الأمريكي، وأن محاولاته المستمرة مناشدة قاعدة دعمه أثناء تشويه منافسيه له جعلته يفتقد أي سمة من سمات الحاجة إلى توحيد البلاد في وقت الأزمات. وخلال خطاب يفترض أنه يمثل تأسيس الدولة قبل أكثر من 200 عام حاول عمدا تقسيم الشعب الأمريكي. وانتقد «جورج إدواردز»، من جامعة «تكساس إيه آند إم»، هذا الخطاب، قائلا: «لقد تم صياغته لإغضاب الشعب وتقسيمه، وليس من أجل الاتحاد والاحتفال؛ وهو الهدف من معظم خطابات يوم الاستقلال لأي رئيس.. ليس هناك شك في أنه يحاول تحفيز قاعدته تحسبا لانتخابات نوفمبر».

وفي حين أن خطاباته السابقة اتبعت في كثير من الأحيان لغة خطابية شديدة، ولم يتبع أغلبها أي إجراءات عملية بعد ذلك؛ إلا أن خطاب جبل راشمور يمثل البداية الرسمية لحملة إعادة انتخابه. وفي 3 يوليو وقع ترامب أمرا تنفيذيا لإقامة متنزه لتكريم «الأبطال الأمريكيين»، فيما رأته «كارني وهابرمان»، في صحيفة «نيويورك تايمز»، «رفضا واضحا للأفعال الأخيرة من قبل المتظاهرين المناهضين للعنصرية الذين دمروا أو شوهوا المعالم الوطنية». واستهدف «ترامب» بالفعل بعض الجماعات التي تعارضه بصراحة. ففي نهاية مايو ذكر أن الولايات المتحدة ستصنف حركة «أنتيفا» جماعة إرهابية، على الرغم من أنها تفتقر إلى تنظيم مركزي، وبدلا من ذلك تُعد حركة واسعة النطاق». 

ووفقا للعديد من المحللين فإن وضع أي رئيس يسعى لإعادة انتخابه سيكون من المجدي له بالتأكيد الدعوة إلى الهدوء والوحدة، ولا سيما في خطاب ذكرى الاستقلال الأمريكي، عكس ما يلجأ إليه «ترامب»، من استخدام مثل هذه اللغة المثيرة للجدل والعدوانية. ومع ذلك بالنسبة إليه كانت رئاسته بأكملها قائمة على استغلال الانقسامات المتعمدة التي زرعت في السياسة والمجتمع الأمريكي. ونادرا ما سعى لإلقاء كلمات تحث على الوحدة والتفاهم المشترك، وبدلا من ذلك فضل إطلاق التصريحات الفجة والانتقادات الصارخة غير البناءة على الشبكة العنكبوتية لتشويه سمعة المنافسين وجذب مؤيديه. علاوة على ذلك فإن حملة إعادة انتخابه ما هي إلا محاولة عكست الفشل السياسي الرئيسي لإداراته وليس نجاحها. 

وفي الأشهر الأخيرة تراجعت شعبيته الرئاسية أكثر من أي وقت مضى، إذ كانت إدارته غارقة في فشل تام في إدارة الشؤون السياسة الخارجية والداخلية، فضلا عن طريقة معالجتها الفاشلة لفيروس كورونا. وفي هذا الصدد أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن خطاب ترامب هو «انعكاس لمكانته السياسية، وأنه يتكئ على الحروب الثقافية لدعم قاعدة مؤيديه البيض». وبحسب «بن رايلي سميث» في صحيفة «ديلي تليجراف» يشير الخطاب إلى أن «الرئيس الأمريكي يرى طريقا محتملا للنصر في انتخابات نوفمبر من خلال إبراز ما يسمى الحروب الثقافية وانسحاب الولايات المتحدة من الكثير من الاتفاقات والالتزامات الدولية». وفي آخر استطلاع للرأي الانتخابي تقدم «ترامب» على «بايدن»، بهامش كبير لا بأس به. بينما يتضح من متوسط  إجمالي استطلاعات الرأي بشكل عام أن الأخير يتقدم بفارق 9.3 نقاط مئوية على الرئيس الحالي. ومع ذلك تبقى التوقعات بفوز «ترامب» في أدنى مستوى لها، مقارنة بالاستطلاعات والإحصاءات التي ارتبطت بانتخابات «جورج بوش الأب» في عام 1992، التي خسرها أمام المرشح الشاب «بيل كلينتون» الذي يتمتع بشخصية كارزمية. 

وبهذا المعنى هناك احتمالات بأن تكون لغة ترامب الخطابية ورؤيته السياسية كفيلة بتقسيم الناخبين الأمريكيين، وهو ما يمكن أن يأتي بنتائج عكسية عليه. وفي هذا الصدد يعلق «باتريك موراي»، من جامعة «مونماوث»، بأنه بالنسبة إلى الرئيس الأمريكي فإنه «يجبر الناس إما أن تكون معه وإما ضده.. وعندما يختارون ينحاز عدد أكبر منهم إلى المرشح الآخر». وفيما يتعلق بالقضايا الاجتماعي، يبدو أن النهج الذي يتبناه يسيء قراءة آراء الأغلبية في الولايات المتحدة. وفي استطلاع للرأي أجري في يونيو الماضي رفض 61% من الأمريكيين طريقة رد فعله على الاحتجاجات المناهضة للعنصرية، ولم يوافق على تلك الطريقة سوى 35% فقط. ومن بين هذه النسبة أعرب 47% عن رفضهم الشديد لقيادته خلال الأزمة المحلية وانتشار الفيروس. وردا على خطابه الأخير قال المتحدث باسم «جو بايدن»: «يسعى ترامب إلى تقسيم أمتنا في مسيراته الانتخابية.. يعتقد بايدن أن الرئاسة تتعلق بخدمة الشعب الأمريكي، بينما يستغلها ترامب فقط لخدمة نفسه ومصالحه».

وعلى الرغم من جميع الإخفاقات المحتملة لحملة إعادة انتخاب ترامب في الوقت الراهن تجدر الإشارة إلى أن مثل هذه الأساليب المثيرة للانقسام عملت لصالحه في عام 2016. وكتب «زيشان أليم» لموقع «فوكس» أنه: «عند النظر في الخطابات والتصريحات التي أطلقها نجد أن الرئيس أعاد إحياء سياساته الراديكالية واستراتيجيته الانقسامية خلال عام 2016 لتعبئة الناخبين الجمهوريين لصالح تأييده».. فعلى الرغم من أن التوقعات واستطلاعات الرأي في فترته الأولى كانت تقلل من فرص نجاحه لعدم توافر أي خبرة سياسية لديه؛ وتوقع معظمها فوز «هيلاري كلينتون»، على اعتبار أنها الأكثر تأهيلا لقيادة البيت الأبيض، لكن فوز «ترامب» ليكون الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة خالف كل التوقعات والاستطلاعات.

على العموم، من المرجح أن يكون هذا الخطاب مجرد بداية لسلسلة من الحلقات المثيرة للجدل خلال حملة إعادة انتخاب ترامب مع توقع المزيد من الانقسامات السياسية والاجتماعية في الفترة التي تسبق انتخابات نوفمبر في ضوء تمكّن هذه الحملات من استخدام هذه المزايا لصالحه على الأرجح، فقد شهدت مثل هذه الحملة المسببة للشقاق عام 2016 حصوله على الرئاسة. 

ومع ذلك، قد تشكل هذه الاستراتيجية السياسية خطرا كبيرا، فإذا لم تجذب تصريحاته العدوانية الناخبين الأمريكيين، فمن المرجح أن يخسر أمام «بايدن». وفي نهاية المطاف يبقى أن نرى ما إذا كان يمكن تكرار هذا النجاح، وخاصة في دولة أصبحت أكثر اضطرابا مما كانت عليه قبل أربع سنوات.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news