العدد : ١٥٤٧٣ - الاثنين ٠٣ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٣ - الاثنين ٠٣ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ذو الحجة ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

لا تخدع نفسك ولا تظلمها

يعرف من يقرأون لي هذا العمود أنني كذاب محترف عندما يتعلق الأمر بحساب سنوات عمري، ولكنهم من الذكاء بحيث يعرفون أنني وفي سياق الأكاذيب المتعلقة بعدد سنوات عمري أفضح نفسي عمدا واعترف بممارسة التزوير مستندا إلى حقيقة ضعف قدراتي في مجال الحساب، أي أنني اعترف على نحو غير مباشر بأنه «راحت عليّ»، وان مباراتي في الحياة دخلت بفضل الله مرحلة الزمن الإضافي الذي يسبق مرحلة ضربات الجزاء الحاسمة.

وبعبارة أخرى، فإنني لا أتصابى إلا من باب التفكُّه والغشمرة والهذر (الذي نسميه بالعامية هزار)، وحقيقة الأمر هي أن من أكثر ما يثير ضيقي، أن هناك كثيرين يعتبرون دورات المياه صالونات تجميل، فتجد الواحد منهم، بغض النظر عن سنوات عمره، يقف أمام المرآة التي تكون عادة موضوعة أمام حوض غسل الأيدي متفحصا وجهه وواضعا إصبعا بين الحين والآخر على نقطة معينة في وجهه (شامة/ خال/ وحمة/ لحمية صغيرة) وكأن إصبعه مزود بشعاع ليزر يزيل تلك الأشياء أو يجعلها أصغر او يحركها من مواقعها، وهناك من يستخدم أطراف أصابعه مجتمعة لينفض عن خديه أشياء مايكروسكوبية/ مجهرية وهمية، وأود لو أقول للواحد من هؤلاء: ما الذي استجد من أمر شكلك منذ أن فارقت البيت قبل ساعات بعد الوقوف طويلا أمام المرآة؟ هل من الوارد أن تكون قد فقدت إحدى فتحتي أنفك؟ هل تتوقع أن تكون خدودك الضامرة قد اكتنزت فجأة بعد سندويتش التونا بالخيار الذي تناولته قبل قليل؟ هل إصبعك «كيرسر» كمبيوتر لتمرره على وجهك وتضع طرفه في نقطة معينة فيقوم بعملية شطب delete أو معالجة بالفوتو شوب؟

هل معنى ذلك أن أبا الجعافر لا يتعامل مع المرآة؟ لا.. أتعامل معها أكثر من مرة في اليوم، ولكن ليس بحثا عن مواقع الزلازل والبراكين والوادي المتصدع في وجهي، بل للاطمئنان بأن شعري ليس مبعثرا عشوائيا كعادته، وكثيرا ما سمعت من زملاء ألقوا نظرة على شعري وقالوا: ما لك تبدو وكأنك عائد لتوك من غوانتنامو.. على الدوام هناك بضع خصلات من شعري تقف نافرة كتاج الهدهد.. ونصحني أكثر من واحد بأن استخدم «الجل» فقلت له: قو تو هيل (اذهب الى الجحيم go to hell جعفر العبسي حفيد عنترة يضع الجل على رأسه؟ يا للعار.

ولكن يغيظني أكثر أن أجد شخصا تجاوز الخمسين يتفحص وجهه في مرآة الحمام او المصعد الكهربائي: يا حبيبي ارحم نفسك، خاصة إذا كنت من النوعية الغاوية النكد التي تتأمل الوجه في المرآة وتطلق تنهيدة ومعها عبارات من شاكلة: ما دائم إلا الله.. وهو يعني أنه «راحت عليه» وكنا فين وبقينا فين.. وبكل صدق فإنني – ورغم أنني لم ولن أعترف قط بأنني بلغت أو تجاوزت الخمسين – أنظر للمرآة وأقول: ما شاء الله.. عيني عليك باردة يا أبو الجعافر.. إيه الحلاوة دي؟ يا أرض احفظي ما عليك!! هذه ليست نرجسية أو غرورا أو خداعا للنفس بل أمرا متعمدا لرفع «معنوياتي».. أعرف جيدا أن جعفر الذي أراه على المرآة يعاني من ويلات الجفاف والتصحر ولكنني أعرف أيضا أن «قدرا أخف من قدر»، وأنه ليس ثمة عطار ليصلح ما لحق بي من دمار جزئي، ثم إنني لست جعفر عجرم او مهند التركي الذي عجرمناه كي أفكر في عمليات ترقيع وقطع ولصق بالفوتو شوب الطبي.. وبنفس القدر، فإنني لا أنظر الى صوري القديمة بـ«حسرة».. وبكل صدق، فإنني أقول لنفسي دائما «ما فات شيء.. وحتى اللي فات ملحوق بإذن الله». ومثل كل عاقل لا تستهويني فكرة الموت ولكنني لا أميل الى ربط الموت بعدد سنوات العمر، ولا أصنف نفسي كمتفائل او متشائم بل أفرح بما عندي وما أنجزت وأفكر في إنجاز أشياء أخرى.

لا معنى للبكاء على أطلال الوجه والجسم، فلكل مرحلة عمرية جمالياتها، وإذا كان وجهك مليئا بالتجاعيد والأخاديد فحاول أن تتذكر المحطات والمطبات التي اجتزتها بنجاح، أو أخفقت فيها ولكنك واصلت المسير.. وتذكر أيضا أنه لو كنا جميعا آخر حلاوة وبقلاوة لبارت سلعنا!

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news