العدد : ١٥٤٧٨ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٨ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الثقافي

وهج الكتابة: كوميديانات الطفولة

عبدالحميد القائد

السبت ١١ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

لديّ الكثير من المشاكل في حياتي،

 لكن شفتاي لا تعرفان ذلك 

 فهما دائما تبتسمان

«شارلي شابلن»

في زمن الطفولةِ تعرّفنا على نجوم كوميدية كثيرة في أفلام الأسود والأبيض، كنا نسقطُ على الأرض من فرط الضحك والدموع تتساقط من أعيننا من المتعة. في ذلك الزمن البريء، كانت محطة تلفزيون آرامكو تعرض أفلام «لوريل وهاردي» ضمن موجة الأفلام الصامتة وكنا «نموت ضحكًا». وهذا الثنائي الكوميدي مكوّن من الممثل البريطاني ستان لوريل الذي يمثل شخصية النحيل الذي يتميز بغباء شديد والممثل الأمريكي أوليفر هاردي الذي يتصرف وكأنه ذكي بينما لم يكن يحمل هذه الصفة تمامًا. كانا يمثلان في الغالب شخصية مواطنين عاديين يحاولان البحث عن عمل ويواجهان مشاكل، وظهرا معًا في 107 أفلام كوميدية بين أعوام 1921 و1950. ممثلان أضحكا أطفال العالم ولا أقول الكبار في العالم قياسًا بمشاعري، لأنني عندما شاهدت أفلامهما عندما كبرت، لم يتمكنا من إضحاكي ربما يرجع ذلك إلى عيب في ذائقتي. وبالمقابل، لم يتمكن الممثل الإنجليزي الشهير شارلي شابلن، الذي وُصف بعبقري الأفلام الصامتة، من إضحاكي في الطفولة وكنت أجده ثقيل الدم لكنني عندما شب عودي وجدته ممثلا قديرًا أضحكني كثيرًا. عاش شابلن حياة تعيسة في لندن وكان والده مدمنًا سكِّيرًا غائبًا عنه معظم الوقت، فيما كانت والدته تكافح من أجل الحياة لكنها كانت مصابة بأمراض نفسية أدخلت على أثرها إلى المصحة عدة مرات فيما تم إرسال شابلن إلى الإصلاحية مرتين قبل بلوغه سن التاسعة، تشرّد شابلن وأصبح وحيدًا عدة أيام يبحث فيها عن الطعام وينام في العراء. هذا المتشرّد الحزين التعيس استطاع إضحاك العالم وهو يبكي بداخله وأنتج عشرات الأفلام الصامتة وتحوَّل من رجلٍ فقير إلى ثري. وفي المحاكمات المكارثية أول الخمسينيات من القرن العشرين اتهم شابلن بأنه متعاطف مع اليسار ما أدى إلى نفيه وإلغاء تصريح دخوله إلى أمريكا. 

وفي الأفلام العربية القديمة، أضحكني إسماعيل ياسين كثيرًا في طفولتي وشعرت عليه بالشفقة عندما كبرت، فقد كان يعتمد على شكله لإضحاك الناس. كان نجم الشباك سنوات عديدة وفي أفلام كثيرة، ولكن نجمه بدأ يتضاءل في الستينيات بسبب أنه لم يكن مقرّبًا من المسؤولين كما يقال وعدم تجدده، إذ تراكمت عليه الضرائب وأصبح مطاردًا بالديون وحُجز على العمارة الوحيدة التي بناها بكفاح عمره لتُباع أمام عينه واضطر إلى حل فرقته المسرحية عام 1966 ثم سافر إلى لبنان وعمل في بعض الأفلام القصيرة ثم عاد إلى مصر رجلا محطّمًا وعمل في أدوار صغيرة لا تتناسب مع تاريخه الحافل، ولم يرحمه أحد أو يقدّره أحد. وبينما كان الرئيس السادات يفكر في تكريمه وافته المنية في 1972 إثر أزمة قلبية حادة لذلك كان يسمى «بالمضحك الحزين» فرغم أن أكثر أفلامه هزلية ومضحكة إلا أنه كان يعيش حزينا وخاصة في أيامه الأخيرة. 

كان عبدالسلام النابلسي من الممثلين الذين كنت لا أرتاح لهم أبدًا ولم يكن يضحكني في طفولتي، لكنني عندما كبرت قلت في نفسي: «أي فنانٍ فقدنا». كان ممثلا رائعًا بمعنى الكلمة بالمستويات العالمية. النابلسي من أصل لبناني فلسطيني، بدأ حياته صحفيًّا ثم ممثلا ثم مساعد مخرج وخاصة مع الفنان يوسف وهبي ثم تفرغ للتمثيل. وتفاقمت عليه الضرائب مع ازدياد شهرته ما جعله يقرر العودة إلى لبنان، وتزوج أشهر عازب في الوسط الفني حسبما كان يطلق عليه في سن متأخرة. لكنه في أيامه الأخيرة عاش حياة تعيسة ووصل إلى درجة الفقر المدقع ولولا صديق عمره الفنان فريد الأطرش لقضى نحبه جوعًا، وتوفي في عام 1968 متأثرًا بأزمة قلبية حادة. يضحكوننا وهم تعساء، هؤلاء الممثلون الذين أمتعونا سنوات عديدة كانت نهاية معظمهم تعيسة وحزينة، هذا هو الفنان يحترق ليضيء القلوب!

Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news