العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

العطر والشبهات (2)

سردت عليكم بالأمس كيف انني سويت حالي «بطل»، وصعدت إلى الطابق السادس عشر حيث مكتبي في عصر يوم انقطع فيه التيار الكهربائي، وبسبب العرق الغزير الذي أفرزه جسمي في معركة الصعود والصمود، صارت رائحة جسمي وملابسي كريهة حتى أنني لم أصبح قادرا على الجلوس مع «نفسي»، وكيف ان المدير العام الهمام تكرم مشكورا وأتى بقارورة عطر وجدها على طاولة سكرتيرته الخاصة، وقام ببخها وضخها حتى تعطرت من الرأس إلى القدم واطمأننت إلى أنني تخلصت من رائحة «التيس» التي لازمتني بسبب التعرق الشديد (بالمناسبة فإن التيس من أعفن وأنتن مخلوقات الله بعد البلوغ وحتى رائحة لحمه تكون نتنة بعد ان يتجاوز عمره السنة).

المهم انني تعطرت بعد عودة التيار الكهربائي، وتوجهت إلى البيت فإذا بزوجتي تتساءل مستنكرة: كنت فين وماذا سويت يا قليل الحياء؟.. اختشي على دمك.. وإذا بليتم فاستتروا.. لو ما تخجل من نفسك اخجل من عيالك، واستغرق مني الأمر بعض الوقت لأدرك سر أسئلتها العدوانية تلك، ثم أدركت أن ما حدث هو ان العطر الذي يغمر جسمي كله تسلل إلى أنفها وأدركت أنه نسائي، وبعد تدخلات من لجان وساطة وشهود دفاع، وعلى رأسهم السيد المدير الذي أتاني بالعطر اقتنعت بصحة روايتي ولكنها أضافت: أشرف وأكرم لك أنك تكون نتن الرائحة من أن تضع عطرا نسائيا. ولم تكن الظروف وقتها في صالحي كي أدخل في جدال حول وجهة النظر تلك، ولكن السؤال الذي ظل يلح علي طوال السنوات الماضية هو: من ذا الذي يملك صلاحية القول بأن هذا العطر نسائي وذاك رجالي؟

عندما عرف جيلنا بأمر العطور المصنعة كيمائيا كان من العار على الرجل ان يستخدمها في معظم مجتمعاتنا الشرقية، ومازالت شريحة كبيرة من الرجال في منطقة الخليج لا تستخدم من العطور إلا أنواعا معينة مكوناتها في معظمها طبيعية، وفي بعض هذه المجتمعات خاصة في شقها الريفي والبدوي لا يسمح للرجل -إلى يومنا هذا- إلا التعطر بأشياء تسبب التهاب الجيوب الأنفية والزائدة الدودية وتضخم البروستات. وسأزيدكم من الشعر بيتًا: لم أعرف أن هناك صابونا للاستحمام وآخر للغسيل إلا بعد انتقالي من القرية إلى المدينة للالتحاق بالمدرسة الثانوية. فطوال مرحلتي الطفولة والصبا كانت عندنا في البيت صابونة واحدة.. تجدها أحيانا في طشت غسل الملابس وأحيانا أخرى في طشت غسل أواني المطبخ مغروسة في ألياف عشبية طبيعية كانت تساعد في «جلي» الأواني؛ تستحم بها ثم يتم استخدامها في الأغراض الأخرى، ولم يسبب لنا ذلك أمراضا جلدية أو نفسية، وبعد ان «تمدنت» بدرجة كافية ولم أعد أجد حرجا في استخدام العطور المصنعة كيمائيا كنت استخدم نفس العطر الذي تستخدمه أمي وأخواتي، وكان ذلك يحدث في كل البيوت. لم يكن «الفرز» قد حدث.. كنا جميعا نستخدم عطرا اسمه -يا للعار- «بنت السودان»... ثم انتقلنا إلى عطر آخر مشترك اسمه بروفيسي، وبعد مرحلة بروفيسي علمت بأن الفرز حصل، وصار لكل جنس عطوره الخاصة.

ولكن يا جماعة العطر هو العطر، وفرزه إلى رجالي وحريمي حيلة تسويقية.. فالعبرة بأن يكون طيب الرائحة ومستساغا من أنف من يستخدمه ومن يشمه، وعلى مسؤوليتي فإن معظم الرجال لا يميزون بين نوعي العطور، وزعم منتجي العطور بأن هذا نسائي «مثير» وهذا رجالي «خطير» أكذوبة أكبر من أكذوبة السجائر ذات النيكوتين المنخفض (وبالتأكيد هناك عطور نسائية حادة مميزة لا تستسيغها أنوف الرجال)، ثم «وسعت» الحكاية: هذا كريم لترطيب البشرة النسائية وذاك للجنسين (مع ملاحظة ان النوع المخصص للجنسين من شاكلة نيفيا ودوف وجليسرين عادة زهيد الثمن). وليس في الطب ما يفيد بأن جلود النساء مصنوعة من حرير بينما جلود الرجال من فصيلة الجرجير، وللمرة الـ 1573 أتساءل محتجا: لماذا يعتبر السطو النسائي على أزياء الرجال قفزة وطفرة في مجاراة الموضة بينما لو لبس رجل قميصا بأكثر من لونين تعرض للهمس والغمز واللمز؟ والإجابة هي أننا جميعا ضحايا ثقافة الاستهلاك التي يتم الترويج لها عبر الإعلانات، حتى صارت مجتمعاتنا المتأخرة في معظم الميادين المعرفية «متقدمة» بحيث صارت بعض نسائنا يعرضن الفوط الصحية النسائية على شاشات التلفزيون رغم ان البشرية عرفت تلك الفوط منذ مئات الآلاف من السنين من دون ضجيج حول كونها مريحة وتتيح «النوم الهادئ»!

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news