العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإجراءات الوقائية من الأوبئة في الإسلام

الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: د. أحمد علي سليمان *

للإسلام موقفه ورؤيته ومنهجيته المثالية في التحذير من مخاطر الوباء والوقاية منه ومن غيره، والتي أصبحت الآن -وبعد قرون طويلة- هي المنهج السائد في أرجاء المعمورة شرقا وغربا، شمالا وجنوبا.. لا يجد أصحاب الديانات والعقائد الأخرى بديلا عنها، ونشير إليها فيما يلي:

وتتمثل في مكافحة كل ما من شأنه نقل المرض؛ للوقاية من انتشار الوباء، ومكافحته قبل ظهوره، والحجر الصحي الإجباري للمريض في أماكن خاصة في المشافي، حتى يتم الشفاء التام، والتخلص من متعلقاته بالحرق.. إلخ، وحصر وعزل وفحص شتى المخالطين المباشرين وغير المباشرين للمريض، وتحصينهم باللقاح الواقي.. حتى يتم الشفاء أو إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولا.

وإزاء هذا الوباء الخطير، نقرر أن الإسلام أكد تأكيدًا جازمًا المحافظة على الصحة، ومقاومة الأمراض، وأمر بالوقاية قبل المرض، وبالعلاج بعد المرض، ويحذر من العدوى، إذ أقر الإسلام سنة الله في العدوى، وأمر بالاحتراز والوقاية والعزل الصحي في الأوبئة، بل ووسع دائرة الوقاية حتى شملت الحيوان الأعجم. يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يوردن مُمرِض على مصح» رواه البخاري، ويحرص على سلامة الأبدان بطريقة لا نظير لها في أي دين من الأديان أو في أي حضارة من الحضارات، فالنظافة في الإسلام ركيزة أساسية للحفاظ على الصحة العامة، وهي عبادة وقربة. وتأكيدًا على أهميتها القصوى فقد تَصَدَّرَ بابُ الطهارة كُتبَ الفقه الإسلامي. 

ولقد وضع الإسلام منهجًا فريدًا ومتكاملا لحفظ الصحة العامة للإنسان.. والطب الوقائي في الإسلام يقوم على الأسلوب الإيماني في إيجاد المجتمع الصحي، وهو أسلوب يرتكز على ربط التعاليم الصحية بعقيدة المسلم، والاستفادة من تأثير الإيمان والتزام الناس بالإسلام في اتباع الأوامر الصحية، كما يقول صالح نعمان في دراسته: منهج البحث في علم العقيدة في ضوء التطور العلمي المعاصر، ولقد اهتم الإسلام بإيجاد البيئة الصحية المثالية وجعلها جزءا من تعاليمه الرئيسة. فكان أول ما نزل من القرآن يدعو إلى العلم، وثاني ما نزل يدعو إلى النظافة، فقال في الأول: (اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) العلق:1، وقال في الثانية: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) المدثر:4، وكانت بذلك أمة الإسلام منذ ولادتها أمة علم وأمة نظافة (التعليم والصحة)، قبل معرفة الجراثيم والميكروبات وما تسببه من أمراض خطيرة وأوبئة بأربعة عشر قرنًا، إذ إن أغلب الأمراض الخطيرة سببها الأساس انحدار مستوى النظافة أو عدمها، المسمى في لغة الشرع بالنجاسة. وجاء في السنة الشريفة أحاديث كثيرة تبين أهمية الطهارة وترغب فيها، منها قـول النبي صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان» رواه مسلم، وتأكيدًا على دور الطهارة والنظافة في الصحة العامة، حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على المداومة على حالة الطهارة حتى خارج أوقات الصلاة، إذ يقول لأنس بن مالك رضي الله عنه: «يا بني إن استطعت ألا تبيت إلاَّ على وضوء فافعل، فإنه من أتاه الموت وهو على وضوء أعطي الشهادة» رواه الطبراني في المعجم الصغير.

وقد حرص الإسلام على النظافة بشقيها المعنوي والحسي، قال تعالى: (...إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة: 222. وجعل سبحانه الوضوء مقدمة للصلاة، ويلاحظ أنه قبل الدخول في الصلاة يؤمر المسلم بالاستنجاء من الخبث والنجس، وستر العورة بلباس طاهر، والوقوف على مكان طاهر، ثم يشرع يتوضأ خمس مرات في اليوم والليلة للصلوات المفروضة وأكثر من ذلك عند صلاة النوافل.. وفي الوضوء شمولية النظافة لكثير من أعضاء البدن، إذ غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، بالإضافة إلى سنن الوضوء، كالمضمضة، والاستنشاق، ومسح الرأس، وغسل الأذنين، وتخليل اللحية الكثة -أي الكثيفة- وتخليل الأصابع. والمتأمل في شعيرة الوضوء يرى أن تلك الأعضاء المطلوب غسلها أو مسحها عند القيام إلى الصلاة هي الأعضاء التي تحتاج دائمًا إلى التطهر من أثر الملامسة المتكررة والإفرازات التي لا تنقطع؛ حماية للجسد مما يطرأ عليه من آفات تضر البدن، وتؤثر في الصحة.

ويؤكد د. محمد عبدالعليم العدوى في دراسته الإسلام وحماية البيئة: أن غسل الكفين، مهم جدا لكثرة استعمالهما في الملامسة والمصافحة والأخذ والعطاء وللاعتماد عليهما في القيام والقعود.. والمضمضة: تخلص الفم من عدد هائل من الكائنات الدقيقة والفطريات والطفيليات، والمضمضة بالماء ثلاث مرات في خمسة أوقات من اليوم تخلص الفم وتقيه من أمراض اللثة والأسنان وغيرهما، كما أنه اعتنى بتنظيف الأسنان واللثة باعتبارها بوتقة الميكروبات، يقول صلى الله عليه وسلم: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب»، والاستنشاق له فوائد صحية كثيرة، إذ يقي الشخص من الزكام المتكرر، ويزيل المفرزات وبذور الفطريات والفيروسات والعفنيات المتناثرة في الهواء والغبار اللاصق على غشائه المخاطي، ويحمي الجهاز التنفسي من الأمراض. وغسل الوجه: يزيل آثار العرق والغبار اللذين يسببان أضرارًا بالعينين. وغسل اليدين وتخليل الأصابع؛ لأنهما معرضتان للأوساخ، ولأن ما بين الأصابع معرض للتخمر والتعفن. وغسل القدمين؛ لأنهما تمسان الأرض غالبًا، وتباشران من الأدناس ما لا تباشره بقية الأعضاء؛ لذلك كانتا أحق بالغسل، وغسل القدمين في فصل الصيف يقيهما من التعفن والالتهابات الجلدية والفطرية وحمايتهما من الروائح الكريهة، كما أن الغُسل ينظف جلد الإنسان مما علق به نتيجة العرق وإفرازات الغدد الدهنية التي تجعل الجلد محيطًا مناسبًا لحياة الجراثيم والفيروسات والبكتريا الضارة بالإنسان، وتنظيف الجلد مهم لحماية جسم الإنسان، ولإبقاء مسامات جلد الإنسان مفتوحة لخروج العرق الذي ينظم حرارة جسم الإنسان، ولإبقاء القدرة على الشعور بحاسة اللمس ممكنًا. والجلد عرضة لأشعة الشمس وللمواد الكيماوية المسببة للأمراض كالسرطان وغيره، وبالغسل المتكرر يقيه من الأخطار. 

كما اعتنى الإسلام بالشعر، فحث من كان له شعر أن يكرمه، وأيضا دعا إلى إزالة الفضلات من الإبط والعانة وتقليم الأظافر.. وعني بنظافة البيت وساحاته وأفنيته، وحذر من التبول في الماء، حتى لا يكون مرتعًا للأمراض وهو الذي جعل منه الله تعالى كلَّ شيء حيا.. وجعل من شروط صحة الصلاة نظافة الثوب والبدن والمكان من الأخباث والقاذورات، ويشيع بين المسلمين حكمة «النظافة من الإيمان».. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم، يغتسل منه -كل يوم- خمس مرات، هل يبقي من درنه شيء؟» قالوا: لا، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحوا الله بهن الخطايا» رواه البخاري ومسلم. تُرى... أبعد ذلك عظمة؟ ومن هنا فإن العودة إلى المنهج الإسلامي فيها النجاة كل النجاة.

وهذا المنهج المتكامل في النظافة والإجراءات الوقائية التي أقرها ديننا الحنيف كفيل حال اتباعه بمجابهة أعتى أوبئة العصر، وهو ما يحتاج إليه العالم حاليا لمواجهة فيروس كرونا وأخواته.

* عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news