العدد : ١٥٤٧٨ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٨ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

العطر والشبهات (1)

صدر في مطلع عام 2020 الحالي قرار من سلطات حماية المستهلك في الولايات المتحدة يهدف إلى منع الاستهبال التجاري الذي كان يتمثل في وضع كريمات ومساحيق ترطيب وتنعيم البشرة في قوارير وعلب متمايزة للجنسين رغم ان مكوناتهما واحدة بنسبة 100%، وكانت الشركات المنتجة لتلك السلع تضع ما يخص النساء منها في أوعية زاهية الألوان وتبيعها بأسعار أعلى من رصيفاتها المخصصة للرجل.

قبل أعوام، كان مكتبي في الطابق السادس عشر، وقبل انتهاء ساعات العمل بقليل نزلت إلى الطابق الأرضي حيث مكتب البريد وتناولت بغيتي وتوجهت نحو المصعد الكهربائي، فإذا بالتيار الكهربائي ينقطع عن البناية بأكملها. وبدأ زملائي الذين كانت مكاتبهم في الطبقات السفلى من البناية يغادرونها نزولا على درجات السلم بأرجلهم، بينما تعالت همهمات سكان الطبقات العليا وذوي الأمتعة الزائدة من المتكرشين والمتكرشات في كل الطبقات. وليس من عادتي ان «أدلع» نفسي باختيار أريح وأيسر السبل لأداء أي مهمة، وكنت ولا أزال أعيش على وهم أنني «رشيق»، وهكذا توكلت على الحي القيوم وقررت صعود الدرجات إلى الطابق الـ 16.. ونجحت.

توقفت في الطابق السادس ووجدت عددا من الرهائن وطلبت منهم ماي وشاي ثم قلت لهم باي وواصلت الصعود إلى الدور العاشر، وهناك كان عدد الرهائن المحتجزين أكبر وصحت فيهم: يا جماعة أخوكم محتاج.. شوية مساج، وقوبل طلبي بالاستنكار والاحتجاج، فجلست معهم قليلا ثم شمرت عن «ساق الجد» وصعدت حتى وصلت الطابق الـ 16... كان الزملاء من الرجال عديمي المروءة قد غادروه تاركين وراءهم فقط كتيبة من الآنسات والسيدات استبشرن خيرا بقدومي وهن يحسبن - لسذاجتهن أو بلاهتهن- أنني قدمت لنجدتهن ومؤازرتهن. وكانت ملابسي مبتلة تماما من فرط التعرق، فالصعود إلى طابق علوي في عمارة مرهق ويسبب التعرق، ولكن إذا كان مثل ذلك الصعود في ظلام شبه دامس فإن فقدان السوائل يكون مضاعفا خاصة لدى شخص مثلي لا يحب الظلام بل ومازال يعاني من بقايا خوف طفولي من الظلام.

المهم جلست على كرسي في الفسحة الواقعة أمام المصعد، وبعد أن هدأت أنفاسي اشتممت رائحة منفرة. حسبت في بادئ الأمر ان الرائحة تأتي من الأسانسير الذي مات نتيجة انقطاع الكهرباء عنه، ولكن - شيئا فشيئا أدركت أن جسمي مصدر تلك الرائحة، ثم فجأة «أشرقت الأنوار» بعودة التيار الكهربائي وارتفعت أصوات الزميلات بالقهقهات، ونزلن على أفواج باستخدام الاسانسير ثم سمعت صوتا يناديني: يللا أبو الجعافر ننزل قبل أن تغير الكهرباء رأيها.. كان هو «المدير» الذي كان معتصما بمكتبه خلال الأزمة فقلت له: بصراحة لا أستطيع ان أغادر هذا المكان ورائحتي كرائحة التيس فقال: أنت وبختك.. ودخل مكتبه وعاد حاملا قارورة عطر صغيرة وهو يقول: تذكرت ان هناك دائما قارورة عطر على جانب من مكتب سكرتيرتي.. ورشني بالعطر من الرأس إلى القدم ثم اقترب مني وقال: أوكي.. ماشي الحال.. وطمأنني كلامه وهبطنا أرضا سويا، فاستقللت سيارتي وعدت إلى البيت.

مع أول خطوة خطوتها داخل البيت ارتفع صوت: شنو دا؟ كانت أم المعارك وحسبت أنها رأت في ملامحي البهدلة التي تعرضت لها فحكيت لها أمر انقطاع التيار. ولكنها قاطعتني: وما علاقة انقطاع التيار بكون عطر نسائي يفوح منك ويملأ جنبات الحي. أين كنت يا قليل الحياء؟.. أدرت رقم جوال المدير على عجل وتركت الصوت «مفتوحا» بحيث يسمعه كل من حولي، ولما رد على اتصالي قلت له إن العطر الذي غمرتني به جعلني موضع شبهات وطلبت منه سرد الحقيقة كي تسمعها زوجتي.. فكانت اللطمة: وأنا وش دخلني في أمور عطورك وأصلا أنا ما شفتك منذ يومين.. صحت فيه متوسلا: يا أبو... أنا بروح فيها لو أنت ما قلت الحقيقة.. وبعد ان لعب بأعصابي لبضع دقائق أكد لها صحة روايتي عن انقطاع الكهرباء وابتلال ملابسي بالعرق ثم رش جسمي بعطر نسائي! لماذا تذكرت تلك الحكاية؟ هذا ما سأحاول الإجابة عنه غدا إذا كان ثمة غد وكُتب لي حضوره.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news