العدد : ١٥٤٨٤ - الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٤ - الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤١هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

الدولة الأكثر عدلا على وجه الأرض!

مؤخرًا تباهى الرئيسُ الأمريكي دونالد ترامب ببلادِه «الأكثر عدلا على وجه الأرض»! وخطابُه جاءَ في إطارِ التنديدِ عشية عيدِ الاستقلالِ بالمظاهراتِ المنددةِ بدورها بالعنصريَّةِ بعد مقتلِ مواطنٍ من أصلٍ إفريقي «جورج فلويد» على أيدي الشرطة!

قالَ: «سنقولُ الحقيقةَ كما هي ومن دون أن نعتذرَ: الولاياتُ المتحدةُ هي أكثرُ بلدٍ عادل واستثنائي وُجد على الأرض»! ولأن ترامب قالَ ذلك فعلى العالمِ أن ينحنيَ احترامًا وإجلالا للبلدِ الأكثر عدلا على وجهِ الأرض وليس فقط الشعب الأمريكي الذي وجه حديثه إليه هو من يجب أن يصفقَ وحده!

العدالةُ الأمريكيَّةُ التي تحدَّثَ عنها الرئيسُ الأمريكي، وهو يشيرُ إلى تماثيل أربعة رؤساء أمريكيين، هي عدالة، وكما يعرفُ العالمُ بدأت مع إبادةِ مئات الملايين من السكان الأصليين للقارة الأمريكية من «الهنود الحمر»، وجاءت إبادتهم على أيدي النازحين «البيض» من القارةِ الأوروبيَّةِ «العجوز» بمن فيهم السجناء المحكومين والقتلة لتبدأ معهم وعلى أيديهم بدايةُ حكايةِ العدالةِ الأمريكيَّةِ الحديثة!

ثم أخذت العدالةُ الاستثنائيَّةُ في العالمِ تتطورُ سريعًا مع تجارةِ الرقيقِ من السودِ الأفارقة للقيام بكلِّ مهنِ العبوديَّةِ والمهنِ الصعبة التي لا يقوى على القيام بها الأسيادُ البيض وفي ذلك ألفُ مأساةٍ ومأساة، ولتلك العبوديَّةِ حكاياتٌ وحكايات وهي التي استمرت حتى العصر الراهن عن طريقِ العنصريَّةِ التي ساوت بين السودِ والكلابِ في فاصلٍ تاريخيٍّ مشهود، وليقوم بسببها تمرد السود بين حينٍ وآخر وصولا إلى المظاهراتِ الراهنةِ التي تنددُ باستمرارِ تلك العنصريَّةِ وما تجسده الشرطةُ الأمريكيَّةُ من تجسيدٍ قاسٍ لها في الشوارعِ الأمريكيَّة!

ثم تدرجت العدالةُ الأمريكيَّةُ لتصلَ من بين ما وصلت إليه إلى حكمِ الرأسماليَّةِ الإمبرياليَّةِ على العالمِ بعد الحربِ العالمية الثانية وإسقاط حكوماتٍ وطنيَّة في أمريكا الجنوبية وقاراتِ العالمِ الأخرى، والقيام بالأعمالِ الاستخباراتيَّةِ القذرة، ولتتطور مع تركةِ الاستعمارِ البريطاني القديمِ بعد ذلك ومنذ انتقالِ أسيادِ المال من الماسون والصهاينة إلى أمريكا باعتبارها الأرضَ الجديدةَ إلى مرحلة العولمة الإمبريالية لتتحكمَ في مصائرِ الشعوب! ولتأخذَ العدالةُ الأمريكيَّةُ تطوراتِها الأشرس منذ الحربِ العالميَّةِ الثانية وبإسقاط القنبلة النووية على «هيروشيما ونجازاكي» ثم حرب فيتنام إلى الحرب على العراق وأفغانستان وسوريا وجميعها تتحدثُ عن العدالةِ الدمويَّةِ لأمريكا التي أبادت في «طريق عدالتها الاستثنائية» ملايين البشر! وكم شهدَ العالمُ من تلك العدالة قصصًا ميلودرامية وسيناريوهات سريالية!

إنها بالفعل البلدُ الأكثر عدلًا في العالمِ وبوصلتها لتلك العدالةِ العولمةُ المتوحشةُ وما فرضته على العالمِ من أساليب إمبريالية لنهب وإفقار الشعوب عبر منظماتٍ دوليَّةٍ ومراكز بحثية تضع سيناريوهات القرارات الدموية ثم عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية والكثير الكثير من المنظماتِ التابعةِ والخاضعة للسوط الأمريكي بعد جعل الأمم المتحدة ومشتقاتها الدولية «أدوات شرعنة لشريعة الغاب الأمريكية» والصمت عن حقوقِ الشعوب التي تعرضت لحروب غير شرعية ولإباداتٍ ولنهب الثروات وغيرها!

حتى الداخل الأمريكي لم ينجُ إذ تحوَّل الشعبُ الأمريكي إلى عبوديَّةٍ ممنهجة عبرَ استلابِ الإرادة والعقل من خلال أساليبِ الديمقراطيَّةِ الزائفة التي في النهاية يتحكم فيها أصحابُ رأس المال والإعلام والسلاح والبنوك! من حق ترامب أن يتباهى ببلدِه لأن التاريخَ الأمريكي الحديث مليء بالفعل بالعدالةِ الاستثنائيَّة التي يتباهى بها! وشرُ البلية ما يضحك!!

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news