العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

ما فعلته واشنطن تكرره أنقرة

ما فعلته تركيا بسوريا وما تفعله الآن في ليبيا لا يقل ضررا عما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية بغزوها العراق عام 2003، فكما حول هذا الغزو العراق إلى واحدة من أخطر البؤر التي تنتشر فيها الجماعات الإرهابية وأدخل الدولة العراقية في نفق مظلم لم ير الشعب العراقي، رغم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها، أي بقعة ضوء تبعث على الأمل في الخروج منه، فإن التدخل التركي في سوريا والدعم اللا محدود الذي تقدمه أجهزة الاستخبارات التركية للجماعات المسلحة، بما في ذلك الجماعات المصنفة إرهابيا، مثل جبهة «النصرة» وغيرها، جعل الشعب السوري يواجه المصير نفسه الذي يئن تحت وطأته الشعب العراقي الشقيق، وهو المصير نفسه الذي ينتظر الشعب الليبي جراء التدخل التركي العسكري لتثبيت حكم فايز السراج، كأحد الأشقاء الأيديولوجيين لنظام حزب العدالة والتنمية في أنقرة.

فجريمة الغزو الأمريكي للعراق هي التي دمرت العراق وجعلته بلدا للصراعات والاقتتال والتمزق العرقي والديني والمذهبي وجعلت مسألة خروجه من المأزق الذي تسببت فيه تلك الجريمة، مسألة في غاية الصعوبة إن لم تكن مستحيلة أصلا، ففي هذا البلد يتمركز نفوذ الأقليات العرقية والطوائف الدينية والمذهبية على حساب قوة الدولة المركزية، فالعراق لم يعد دولة قادرة على حماية والدفاع عن سيادتها الوطنية وقراراتها المصيرية لا تحدد في بغداد، بل في عواصم أخرى وفي مقدمتها واشنطن وطهران.

كان الهدف نفسه يقف وراء إشعال الفتنة الداخلية ومن ثم الحرب الأهلية في سوريا، حيث امتطت أنقرة صهوتها من خلال فتح الحدود لتدفق الجماعات الإرهابية من كل بقاع المعمورة وأمنت خطوط الإمداد العسكري الذي حول سوريا إلى غابة شاسعة من مختلف أصناف الأسلحة الخفيفة والثقيلة، وكان الهدف غير المخفي، بل الذي أعلنته أنقرة ذاتها، وهو إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، أي إسقاط الدولة السورية وهو الهدف نفسه الذي حققته جريمة الغزو الأمريكي من خلال إسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

رغم أن الهدف من إشعال الفتنة والحرب الأهلية في سوريا والذي أعلنته أنقرة وغيرها من قوى إقليمية ودولية لم يتحقق، حيث استطاع النظام في دمشق الصمود بفضل الدعم القوي من حلفائه الإقليميين والدوليين وعلى رأسهم روسيا التي دخلت على خط الدعم العسكري المباشر، إلا أن هذه الفتنة حققت جزءا من هذا الهدف يتمثل في شل جزء كبير جدا من قوة الدولة السورية وأخرجت أجزاء كبيرة خلال السنوات الأولى من الفتنة، عن سيطرة الدولة السورية وما زالت أجزاء مهمة في الشمال السوري، مثل محافظة إدلب خارج هذه السيطرة إضافة إلى أجزاء أخرى محتلة من جانب قوات أمريكية وأخرى تحتلها تركيا.

خطورة الأهداف التركية في سوريا على سبيل المثال تفوق من حيث نتائجها المستقبلية الأهداف الأمريكية من إسقاط نظام الرئيس الراحل صدام حسين في بغداد، فتركيا بعد أن عجزت، حتى الآن، عن تحقيق هدف إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، فإنها تقوم في الوقت الراهن بتنفيذ عملية في غاية الخطورة تتمثل في إحداث تغيير ديموغرافي في المناطق التي تحتلها، مثل محافظة إدلب وبعض مناطق شمال شرق سوريا، حيث بدأت عملية تتريك في أوساط المواطنين السوريين في تلك المناطق.

فكما تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية المسؤولية الكاملة عما آل إليه العراق من أوضاع، في مقدمتها قدرته على صيانة والدفاع عن استقلاله وسيادته الوطنية، كغيره من الدول رغم ما يتمتع به من إمكانيات مادية وبشرية كبيرة، فإن أنقرة تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في سوريا والتدمير الشامل الذي أصاب البنى التحتية في جميع المدن والبلدات التي وقعت تحت سيطرة الجماعات المسلحة المدعومة من تركيا وغيرها، إضافة إلى سرقة آلات المصانع في مدينة حلب التي كانت تمثل القلب الصناعي النابض للجمهورية العربية السورية.

فنتائج الأفعال التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأمريكية هي نفسها النتائج التي أفرزتها التدخلات التركية في بعض الدول العربية وفي مقدمتها سوريا، فليست هناك نتيجة واحدة تصب في صالح شعوب هذه البلدان، فالشعب العراقي لم يجن ثمرة واحدة مفيدة من إسقاط القوات الأمريكية الغازية لنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، والنتيجة نفسها نجدها في المشهد السوري، حيث لم يجن الشعب الشقيق سوى الموت والتشريد في بقاع الأرض المختلفة وتدمير مختلف مدنه وبلداته.

الشعار الذي رفعته واشنطن وهي تمهد لجريمة الغزو، هو نفسه الشعار الذي رفعته، ومازالت أنقرة، وهي تبرر تدخلها السافر في سوريا، والآن في ليبيا، أي التدخل من أجل «حماية» و«مساعدة» شعوب هذه الدول في تحقيق «تطلعاتها» نحو «الديمقراطية» و«العدالة الاجتماعية»، وما ترجم على أرض الواقع من هذه الشعارات، لا يمت بأي صلة إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news