العدد : ١٥٤٧٣ - الاثنين ٠٣ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٣ - الاثنين ٠٣ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ذو الحجة ١٤٤١هـ

شرق و غرب

أزمة كورونا وتأثيرات سياسة الانطواء الأمريكي

الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٠ - 10:32

بقلم: آدريان جولم

لم يسبق للولايات المتحدة الأمريكية أن انطوت على نفسها بمثل هذا الشكل، وهو ما يفسر إلى حد كبير توتر العلاقات التي أصبحت تربط ما بين سلطات واشنطن في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب والمؤسسات التي نشأت عقب نهاية الحرب العالمية الثانية والتي تكرس النظام الدولي المتعدد الأطراف. 

لعل تفشي جائحة كورونا «كوفيد-19» هو الذي عجل بالانطواء الأمريكي غير المسبوق على الساحة السياسية الدولية. بدأت إرهاصات هذا الانطواء تظهر مع انتخاب الرئيس الجمهوري الحالي دونالد ترامب، الذي كرس رؤية تعاقدية ربحية في نظرته إلى الدبلوماسية والعلاقات الدولية. 

أدت حالة الاستقطاب الحادة ما بين الحزبين الكبيرين الجمهوري والديمقراطي إلى إصابة المؤسسات الأمريكية بالشلل والانقسامات في ظل انزلاق في الرأي العام الأمريكي نحو إحياء نزعات سياسة العزلة التي انتهجتها الولايات الأمريكية قبل بضعة عقود في تعاطيها مع العلاقات الدولية. جاءت الأزمة الصحية الناجمة عن تفشي جائحة فيروس كورونا لتزيد في تسريع انزلاق الولايات المتحدة ومزاج الرأي العام الأمريكي في الانعزالية. فقد لمسنا غيابا أمريكيا كاملا عن المبادرات والمحاولات التي يتم تنسيقها على المستوى الدولي من أجل مواجهة جائحة كورونا جماعيا وهو ما قد يمثل منعرجا تاريخيا قد يشكل السياسة الخارجية الأمريكية لعدة سنوات قادمة. 

تعدُّ الولايات المتحدة الأمريكية أكبر بلد متضرر من تفشي جائحة فيروس كورونا، التي أودت حتى الآن بحياة أكثر من تسعين ألف شخص وهو ما يمثل أكثر من ربع حالات الوفيات الناجمة عن هذا الفيروس التاجي في العالم. علما بأن الأمريكيين يمثلون 5% من إجمالي عدد سكان العالم. لقد سارعت الولايات المتحدة بقيادة ترامب إلى الانطواء على نفسها في تعاملها مع هذه الجائحة التي قد لا تنتهي في مستقبل قريب ما لم ينجح العالم في اكتشاف اللقاح اللازم الذي ينقذ بني الإنسان ويعيد إليهم أبسط تفاصيل حياتهم اليومية العادية. 

مع نهاية شهر يناير الماضي أغلقت الولايات المتحدة الأمريكية حدودها البرية، وأوقفت رحلاتها الجوية مع الصين كما اتخذت نفس الإجراءات مع الدول الأوروبية الحليفة بحلول منتصف شهر مارس الماضي من دون أن تكلف نفسها التنسيق مع هذه البلدان المعنية. عمدت الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك إلى إغلاق حدودها البرية مع كندا والمكسيك المجاورتين في أول إجراء تتخذه الإدارة الأمريكية على الصعيد الدولي.

اتخذت إدارة دونالد ترامب بعد ذلك قرارا بتعليق التمويل الذي كانت تقدمه إلى منظمة الصحة العالمية، التي تعتبرها سلطات واشنطن «مجرد دمية بين أيدي الصين». جاءت هذه الإجراءات المتعاقبة لتسرع نزعة انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الساحة السياسية الدولية التي ظلت تهيمن عليها بلا منازع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية 1945. 

يعدُّ هذا التحول في مزاج القوة الأولى في العالم مدهشا، ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تعتبر إلى وقت قريب من أهم الدول المنسقة للجهود الدولية في مجال الأمور الصحية كما أنها كانت من أول وأكبر المساهمين في الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة عدة أمراض وجوائح وأوبئة أخرى مثل الملاريا وإيبولا، معتمدة في ذلك على ما تمتلكه من شبكات علمية وتقنية ولوجستية أعطت واشنطن قدرة كبيرة على تنسيق الجهود الدولية لمواجهة الكوارث ومكافحة الأوبئة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين. ففي سنة 2003 أطلقت إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن البرنامج الرئاسي العاجل لمكافحة متلازمة نقص المناعة المكتسبة - الإيدز وهو ما أسهم في تراجع نسبة الإصابة بهذا المرض في العالم، وخاصة في الدول الإفريقية التي حصلت على المساعدات المالية والأدوية والدعم الصحي والطبي اللازم. لعبت الولايات المتحدة الأمريكية أيضا دورا رئيسيا في جهود الإغاثة في خضم الإعصار التسونامي الذي ضرب بعض الدول الآسيوية سنة 2004 كما أسهمت بشكل كبير في مكافحة جائحة أنفلونزا الخنازير والتصدي لتفشي فيروس إيبولا القاتل. 

جاء انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة ليحدث منذ سنة 2017 منعرجا راديكاليا في المقاربة والرؤية الأمريكية للسياسة الخارجية والعلاقات الدولية. فقد تعامل الرئيس الجديد الذي دخل البيت الأبيض واستقر في البيت البيضاوي بكثير من الازدراء مع الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة منهم الأوروبيين كما استبدل الرئيس دونالد ترامب الاستراتيجية المتعددة الأطراف بنظرية «أمريكا أولا»، مستهدفا في الوقت ذاته المؤسسات الدولية، وخاصة منها منظمة الأمم المتحدة، والتي يعتبرها كيانات معادية لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية علما وأن أسلافه من الرؤساء الأمريكيين كانوا أيضا يعبرون عن شكوكهم وتحفظاتهم بشأن أدوار المؤسسات الدولية.

لعل ما زاد الطين بِلة شكوك الرئيس ترامب بشأن دبلوماسية بلاده على خلفية أزمة «أوكرانيا غيت». ففي إطار الإجراءات التي أطلقها الديمقراطيون في مجلس النواب في محاولة لعزل الرئيس دونالد ترامب من منصبه أدلى العديد من الدبلوماسيين بشهادتهم ضد الرئيس ترامب وهو ما أحدث هذه القطيعة مع الدبلوماسية. 

أصبح الرئيس ترامب يطلق على وزارة الخارجية اسم «وزارة الدولة العميقة». لذلك فقد عمل منذ تبرئته من مجلس الشيوخ في بداية شهر فبراير 2020 على تولي الشؤون السياسية الخارجية بنفسه. أما الدبلوماسيون والعسكريون الذين أدلوا بشهادتهم ضد الرئيس ترامب فقد عزلوا واستبعدوا.

مع نهاية شهر أبريل 2020 قرر الرئيس دونالد ترامب تعيين ألكسندر آلدن، مساعده في البيت الأبيض، في منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية ومنطقة أوراسيا وهو ما اُعتبر تصميم من جانب الرئيس ترامب على إزاحة الدبلوماسيين المحنكين من مناصبهم وتجريدهم من أدوارهم، ناهيك عن القرار الذي اتخذه يوم 15 مايو 2020 بعزل المفتش العام لوزارة الخارجية والذي فتح تحقيقا داخليا بشأن وزير الخارجية الحالي مايك بومبيو، بدعوى الاشتباه في استخدام موظفي الوزارة لأغراض خاصة.

جاءت أزمة تفشي جائحة كورونا لتؤكد مدى التهميش الذي أصبحت تعاني منه الآلة الدبلوماسية الأمريكية، فقد تولى ترامب اتخاذ القرار القاضي بإغلاق الحدود وذلك بالتنسيق مع مستشاريه، وخاصة منهم ستيفن ميلر، المكلف بشؤون الهجرة، وجاريد كوشنر وهو صهره. كان الدبلوماسيون العاملون في وزارة الخارجية آخر من يعلم بتلك القرارات. وجدت السفارات الأمريكية تعاني من أجل تأمين إجلاء عشرات آلاف المواطنين الأمريكيين.

 

لوفيجارو

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news