العدد : ١٥٤٨٤ - الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٤ - الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

نفس الطينة والعجينة

نحن شعوب تمارس خداع الذات ولا تعيش بقناعاتها المعلنة، وللتدليل على ذلك أمامي الآن ملخص دراسة لا اعرف تاريخ صدورها، أعدها البروفسور رشاد عبداللطيف، أستاذ علم الاجتماع بجامعة حلوان في مصر واعتمدها المجلس القومي للبحوث الاجتماعية، خلاصتها أن الشخصية المصرية مليئة بالتناقضات ويصعب من ثم التعرف على حقيقة الإنسان المصري، ويضرب الأستاذ رشاد مثلا بأن الرجل المصري قد يفخر بزميلته في العمل لكونها شاطرة وواثقة من نفسها وطموحة، ولكنه يريد لزوجته ان تلزم البيت مهما كانت مؤهلاتها وقدراتها المهنية والفكرية، ويشجع أحد أندية كرة القدم لدرجة الهوس، ويضع صور بعض لاعبي ذلك النادي في غرفة الجلوس، ولكن ما إن يجد ابنه يلعب الكرة حتى يزجره: بلاش تضيّع وقتك في الكلام الفارغ.. وقال الاستاذ رشاد إن الآلاف الذين وقفوا نهارا في الطوابير طويلا للتصويت للأحزاب الإسلامية خلال الانتخابات البرلمانية المصرية، قبل سنوات قليلة، وقفوا في طوابير أطول في الأمسيات لمشاهدة فيلم للراقصة دينا اسمه «شارع الهرم» حتى حطمت إيرادات الفيلم الأرقام القياسية، وسائق السيارة في المدينة المصرية، يكسر كل قوانين المرور ويشتم السائقين الآخرين بأقذع الألفاظ، ثم يغلق راديو أو مسجل السيارة فور سماع الآذان.. والممثل المصري يؤدي العمرة والحج ثم يعود إلى «الشغل»، ولا يرى بأسا في بوس واحتضان زميلاته الممثلات لأن السيناريو «عايز كده!».

وحقيقة الأمر يا أستاذ رشاد أننا جميعا «ذلك الرجل»، أو تلك الشخصية، ونقول ما لا نفعل.. نعاكس البنات في مجمعات التسوق، ونتبادل الصور الفاضحة عبر واتساب وفور رفع الآذان نتجه إلى المصلى: استغفر الله.. وسمع الله لمن حمده، وبعد الصلاة: نظرة يا جميل أنت وأنا «أركع تحت رجلك»، وننهى صغارنا عن الكذب ويرن الهاتف فنزجرهم: انكتموا.. ثم يسمعنا الصغار ونحن – مثلا – نقول في التليفون لشخص ما: والله ما أقدر أجيكم.. العيال كلهم عندهم حصبة رومانية.. وأثناء المكالمة تصدر عنا تحذيرات صوتية خافتة موجهة للعيال: ششش، مع إنذار بتلويح السبابة.. الكذب بالذات يا أستاذ رشاد صار ميسما لعلاقات العمل والمجتمع، بل هناك من يراه ضرورة لـ«تمشية الحال»، ابتداء بكذبات من العيار الخفيف كأن تقول لزوجتك: ما شاء الله، الرجيم جاب نتائج عجيبة معك.. صرت ريشة، بينما أنت تقول في سرك: هذه ليست امرأة بل وحيد قرن، وكأن تقول لمديرك بعد أن خسر النادي الذي يشجعه مباراة في كرة القدم بنتيجة صفر – سبعة: والله الكورة مجنونة.. ناديكم يلعب وغيركم يكسب.. وصولا للقول للمدير الذي اختلس نصف «الميزانية»: والله لو عندنا من نوعك خمسة بس كنا صرنا مثل سويسرا. (ولأن بنا عنصرية غير معلنة فإننا نسمي الكذبات التي نعتبر انها غير ضارة بيضاء).

وإذا أردت رؤية التناقض في الشخصية العربية فراقبها في العواصم الأوروبية: مع ملامسة الطائرات أرض المطارات الغربية، تختفي كثير من العباءات ويتناثر الشعر الغجري، الأسود كالليل والناعم كالحنان والطويل كنظرات المتطفلين (أدرك أنني دخلت في «دور» غزل، ولكنني أحفظ هذه العبارة منذ طالعتها في رواية ما وأنا تلميذ بالمدرسة المتوسطة).. ويختفي الجلباب العربي ومعه الغترة والعمامة فتجد رجلا مكعكعا يرتدي الشورت وساقاه أرفع من ساقي النعامة.. والشيء الوحيد الذي يعرف السائح العربي أن حرمته مؤكدة في أي دولة أجنبية هو لحم الخنزير، أما «اللحوم» الأخرى، والمشروبات المحفزة لتناولها فهي غاية المنى والمراد،.. والله غفور رحيم.

بذمتك كم مرة سمعت في الراديو أو التلفزيون شخصا يقول إن مثله الأعلى هو سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، بينما الكل يعرف أن سلوك ذلك الشخص يجعل انتماءه لأمة محمد مشكوكا فيه بالأدلة القطعية وليس الظرفية.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news