العدد : ١٥٤٧٨ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٨ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

حول إنشاء قاعدة بحرية إيرانية في المحيط الهندي

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

في الثاني والعشرين من يونيو 2020 أعلن قائد القوات البحرية في الحرس الثوري الإيراني أن إيران لديها خطة لإقامة قاعدة بحرية دائمة في المحيط الهندي مؤكدًا أن ذلك يأتي ضمن تعزيز الوجود البحري الإيراني في خليج عمان ومدخل المحيط الهندي، وأن الدوافع وراء ذلك القرار تتمثل فيما اسماه «تحقيق أهداف المرشد الأعلى» وأن تلك القاعدة من شأنها «توفير حضور خاص للصيادين ووحدات الصيد الصناعي في المحيطات في ظل تعرض سفن الصيد الإيرانية للقرصنة في تلك المنطقة» – على حد قوله- مشيرًا إلى أن تلك القاعدة سوف تكتمل بحلول مارس 2021.

 ويثير ذلك القرار تساؤلات حول المضمون والتوقيت، فالمضمون هو بدء إيران استراتيجية جديدة مفادها التواجد الدائم في مياه المحيط الهندي في توجه مغاير لسياسات سابقة كانت تعتمد على إرسال قطع بحرية في مهام محددة وفي مدد زمنية قصيرة.

وعلى الرغم من تصريح قائد القوات البحرية في الحرس الثوري تعليقًا على كيفية سير العمل لإنشاء تلك القاعدة بأنه «تم إحصاء جميع الاحتياجات ويجري التخطيط للأمر وسيكون هذا الوجود قويًا وراسخًا للارتقاء بالأمن في مدخل المحيط الهندي» فإن أهم عقبات إقامة تلك القاعدة تتمثل في المتطلبات التقنية واللوجستية وهي تحديات هائلة لإيران في ظل ما تواجهه من عقوبات، حتى أنه في ظل امتلاك إيران ميناء «تشابهار» على المحيط الهندي وبحر عمان، وبالرغم من كونه موقعًا استراتيجيًا فإن تطوير ذلك الميناء يحتاج إلى قدرات مالية لا تتوافر لإيران في الوقت الراهن بسبب العقوبات المفروضة على إيران، حيث تشير التقديرات إلى تراجع حاد في صادرات النفط الإيرانية.

ومن حيث التوقيت تجيء الخطوة الإيرانية ضمن التطورات الإقليمية ومنها بدء سريان قانون قيصر الذي يتضمن فرض عقوبات على الداعمين للنظام السوري سواءً كانوا دولاً أم جماعات دون الدول، وكذلك سعي الولايات المتحدة لتمديد حظر الأسلحة على إيران، بالإضافة إلى تشكيل حكومة جديدة في العراق والتي بدأت حوارًا استراتيجيًا مع الولايات المتحدة ويتضمن من بين بنوده سبل حماية القوات الأمريكية من هجمات الميلشيات التي تدعمها إيران، وإزاء ذلك فقد استهدفت إيران توظيف الورقة البحرية ضمن استعراض القوة في تلك المنطقة وادعاء إيران بأن لديها القدرة على مواجهة الضغوط الأمريكية وذلك من خلال مؤشرين الأول: إعلان القوات البحرية الإيرانية في 18 يونيو 2020 عن اختبار صواريخ كروز قصيرة وبعيدة المدى خلال مناورات أجرتها في مياه بحر عمان وشمال المحيط الهندي، والثاني: إعلان الرئيس الإيراني حسن روحاني أن إيران تعمل الآن على بناء خط أنابيب يمتد من منطقة غور القريبة من ميناء غناوة شمال الخليج العربي إلى ميناء جاسك على ساحل بحر عمان بما يعني سعي إيران لتصدير النفط عبر بحر عمان ومن ثم الاستغناء عن تصدير النفط من خلال مضيق هرمز، مؤكدًا أنه تم حتى الآن بناء 404 كم من ذلك الخط الذي تم الإعلان عنه في سبتمبر 2018 ويبلغ طوله 1000 كم. 

تسعى إيران لتوظيف ورقة المحيط الهندي لإدراكها مدى أهميته ليس فقط للملاحة البحرية ولكن للولايات المتحدة الأمريكية ففي نهاية ديسمبر 2019 شهد خليج عمان مناورات بحرية مشتركة بين القوات البحرية الإيرانية والروسية والصينية الحربية استمرت أربعة أيام وتعد هي المرة الأولى التي ترسل فيها كل من روسيا والصين سفنًا حربية لإجراء مناورات مع نظيرتها الإيرانية في المحيط الهندي وهي المناورات التي وصفها قائد القوات البحرية الإيرانية «بأنها تظهر العلاقة الوثيقة بين إيران وروسيا والصين».

من ناحية ثانية لمنطقة المحيط الهندي تنظيم إقليمي يتمثل في رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي والتي تأسست عام 1997 في موريشيوس وتضم في عضويتها 22 دولة من بينها إيران بالإضافة إلى تسعة شركاء حوار من بينهم المملكة العربية السعودية وتركيا، وثلاث منظمات بصفة مراقب, وتستهدف تلك الرابطة تعزيز التعاون الإقليمي بين دول منطقة المحيط الهندي، وتترأسها دولة الإمارات العربية المتحدة حتى عام 2021.

وبغض النظر عن مدى نجاح إيران في تشييد القاعدة البحرية في المحيط الهندي من عدمه فإنه توجد خمسة عوامل ردع لأي تهديدات إيرانية سواء لأمن الملاحة في الخليج العربي أو المحيط الهندي عمومًا أولها: الشراكة الأمريكية الهندية، ففي فبراير 2020 أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، أن الهند والولايات المتحدة قررتا رفع العلاقات الثنائية إلى مستوى شراكة عالمية شاملة وذلك خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للهند آنذاك، حيث تم الاتفاق على التفاوض على إبرام اتفاقية تجارية وكذلك التعاون في مجالات الأمن والدفاع والتجارة والطاقة، وثانيها: تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المحيط الهندي, ففي يناير 2020 أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية إرسال قاذفة استراتيجية من طراز B-52H إلى قاعدتها في دييجو جارسيا في المحيط الهندي وبذلك يبلغ عدد الطائرات الحربية الأمريكية في تلك القاعدة ست طائرات، الجدير بالذكر أن تلك الطائرات لديها القدرة على حمل صواريخ مجنحة مزودة برؤوس نووية، وثالثها: التعليمات التي أصدرها الرئيس ترامب في إبريل 2020 للبحرية الأمريكية بإطلاق النار على أي زوارق إيرانية تقوم بمضايقة السفن الأمريكية خلال عبورها مضيق هرمز الأمر الذي أثار الجدل حول إمكانية تغيير الولايات المتحدة الأمريكية لقواعد الاشتباك العسكري في منطقة الخليج العربي، ورابعها: تأسيس الولايات المتحدة التحالف العسكري البحري لأمن الملاحة في الخليج العربي، وخامسها: دخول حلف الناتو على خط التفاعلات بشأن تهديدات الأمن البحري في منطقة الخليج العربي، ففي تصريح له عقب الهجوم على المنشآت النفطية التابعة لشركة أرامكو قال ينس ستولتنبرج الأمين العام للحلف «ان إيران تزعزع استقرار المنطقة بالكامل» وأضاف «ندعو جميع الأطراف إلى التوقف عن تكرار مثل هذه الهجمات لأنها قد تخلف آثارًا سلبية على المنطقة بأكملها»، مشيرًا إلى أن «الحلف يشعر بقلق كبير من التصعيد»، الجدير بالذكر أن كافة المؤشرات تؤكد سعي الولايات المتحدة لدفع الحلف للاضطلاع بدور أكبر تجاه قضايا الشرق الأوسط وهو الأمر الذي وجد قبولاً لدى الحلف وخاصة في العراق، ومن ثم فإن تصريحات الأمين العام للحلف بشأن تهديدات الملاحة يجب أن تؤخذ بالاعتبار في ظل وجود قوات للحلف تحيط بإيران من كافة الاتجاهات.

 ومجمل ما سبق أن أمن الملاحة البحرية كان- وسيظل- أحد القضايا الاستراتيجية التي ترسم خطوطًا حمراء ومن ثم فإن أي مغامرة غير محسوبة لتجاوز تلك الخطوط سوف تعني مشهدًا مغايرًا لأدوات إدارة ذلك الصراع.

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news