العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

هونج كونج شأن داخلي صيني لا غير

لم يكن أمامَ المملكةِ المتحدةِ من خيارٍ في عام 1997. سوى التسليمِ بإعادةِ هونج كونج إلى وطنِها الأم، أي إلى سيادةِ جمهوريَّةِ الصين الشعبية، إذ جرى احتفالُ نقلِ السيادةِ في الأول من يوليو عام 97 من القرنِ الماضي، أي بعدَ انقضاءِ 99 عاما على «استئجار» الإمبراطوريةِ البريطانيَّةِ للجزيرةِ من سلالةِ تشينغ الحاكمة في الصين بموجب ثلاث معاهداتٍ غير متكافئةٍ وقعت خلال حروبِ الأفيون وهزيمة إمبراطورية تشينغ في الحربِ الصينيةِ اليابانيَّةِ «1894-1895»، وشكَّلت عودةُ الجزيرةِ إلى الوطنِ الأم أهمَّ انتصارٍ لسياسةِ «دولة واحدة ونظامان» التي طرحتها بكين بهدفِ توحيدِ الوطنِ الصيني وإنهاءِ حالات التشظي، وإنهاءِ الوضعِ غير الطبيعي لجزيرةِ تايوان التي انشقت عن الوطنِ الأم بعد انتصارِ الثورةِ الصينيةِ عام 1949 وتولي الشيوعيين للسلطة في بكين.

ولكن، ورغم الانتقالِ السلسِ لهونج كونج إلى الوطنِ الأم، والتزام حكومة جمهورية الصين الشعبية بتعهداتها تجاه الوضع الخاص للجزيرة خلال الخمسين سنة بعد اتفاقية التسليم، فإن بعضَ الدولِ الغربية، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية وبدرجة أقل بريطانيا وآخرين أرادوا أن يجعلوا من هونج كونج ثغرةً مفتوحةً في الخاصرةِ الصينيةِ بهدف إشغالِ بكين عن مواصلةِ نهوضها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وخاصة بعد أن قفزت جمهوريةُ الصين الشعبية بقيادةِ الحزبِ الشيوعي الصيني، قفزةً اقتصاديَّةً كبيرةً ونوعية وتحولت إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية.

منطقة هونج كونج، هي من حيث القانون الدولي تعدُّ جزءا لا يتجزأ من جمهورية الصين الشعبية، ولا يغيِّر من هذه الحقيقةِ القانونيَّةِ، تمتعُ الجزيرةِ وتوابعها بوضعيَّةٍ إداريةٍ خاصة وشبه استقلال في إدارة شؤونها الداخلية، لكن شبه الاستقلال هذا والوضعية الخاصة، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينتقصَ من سيادةِ الوطن الأم، أو أن يكونَ على حسابها، ناهيك أن تتحول هذه الاستقلالية الذاتية إلى ثغرةٍ مفتوحةٍ أمام القوى الخارجية واستغلالها للعبث والتعدي على السيادةِ الوطنية الصينية، فمثل هذا الوضع لا يمكن لبكين، ولغيرها من الدول ذات السيادة أن تقبلَ به.

خلال الأحداث التي شهدتها الجزيرةُ العام الماضي «احتجاجا» على قانون تسليم مطلوبين إلى بكين، رمت القوى الغربيَّةُ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية بكل ثقلها لدعم هذه الاحتجاجات، رغم أنها لم تكن سلمية على الإطلاق، إذ شهدت الجزيرةُ أعمالَ عنفٍ وتخريب من قبل «المحتجين» وصل إلى حد شل حركة المطار والتعدي على مصالح المواطنين، كان موقفُ الدولِ الغربية يستندُ إلى حجةِ «دعم الديمقراطية»، ولكن الهدف الحقيقي والأول من هذا «الدعم» هو إعاقةُ الانطلاقةِ الاقتصادية القوية لجمهورية الصين الشعبية وتخريب سياسة «وطن واحد ونظامان».

فما حدث بالأمس يتكرر اليوم، والمدخل إلى التخريب هو هونج كونج مرة أخرى، ولكن الآن تحت ذريعة رفض قانون الأمن القومي، الذي أقر مؤخرا بالإجماع من قبل اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني (البرلمان)، هذا القانون لا يفرض قيودًا على تنظيمِ الاحتجاجات وعلى حرية التعبير، كما تحاول الدولُ الغربية الترويج واستغلاله في حربها الإعلامية والاقتصادية ضد الصين، وإنما يجرم المطالبة بالانفصال وأعمال التخريب والتواطؤ مع القوى الأجنبية، وهي كلها أفعالٌ غير مشروعةٍ ولا تقبل بها أي دولة، ناهيك عن أن سنَّ القانون يندرجُ تحت الحقِ القانوني المشروع للدولة الصينية في الدفاع عن وحدة الوطن والتصدي لكلِّ أشكالِ التخريب، أو التواطؤ مع القوى الخارجية التي تستهدف تخريب وعرقلة تطور الدولة الصينية.

حجج «الديمقراطية وحرية التعبير» أصبحت أسطواناتٍ مشروخةً تحاولُ هذه الدولُ تدويرها، كلما أرادت أن تبتز بعضَ الدولِ أو تحاول تخريب وإعاقة نهضتها، فالتشريع الذي يستهدف الحفاظ على أمن الوطن ووحدته، هو حقٌ أصيل لأي دولة، فأي دعوة إلى الانفصال، لا يمكن أن تكون مقبولةً من قبل أي دولة في العالم وسوف تتصدى له بالتشريع أو بالأساليب الأخرى، حدث ذلك بالأمس القريب مع إقليم كتالونيا في إسبانيا، على سبيل المثال، وستفعل الشيء نفسه الدول التي تقود الحملة الآن ضد قانون الأمن القومي الصيني إذا ما كان هناك تهديد جدي لوحدتها.

جمهورية الصين الشعبية، عندما تضع مثل هذا القانون أو غيره من القوانين، إنما هي تمارس سيادتها الوطنية على شؤونها الداخلية، وليس من حق الآخرين التدخل في هذا الحق والوصول إلى حد فرض عقوبات وغير ذلك من أشكال التدخلات السافرة التي تتناقض مع الحقوق السيادية للدول، أضف إلى ذلك، فإن الصين الشعبية ليست الدولة التي يمكن أن ترضخ لمثل هذه السياسة الخاطئة، وخاصة أن الأمر يتعلق بسيادتها وشؤونها الداخلية ووحدة الوطن الأم التي باتت تحت تهديد أصوات انفصالية حركتها في هونج كونج قوى خارجية، فالصين إزاء وضع كهذا لا يمكن أن تتهاون أو تتردد عن توفير الحماية القانونية لسيادتها ووحدة أراضيها ولها كامل الحق في ذلك.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news