العدد : ١٥٤٧٥ - الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٥ - الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

«فتح» و«حماس» معا في «وحدة خندق» ضد مـخـطط الـضـم الاسـتعماري الصهيوني

بقلم: د. مصطفى اللداوي {

الأحد ٠٥ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

تابعَ غالبيةُ الفلسطينيين في الوطنِ والشتات، بترقبٍ شديدٍ وأملٍ كبيرٍ، اللقاءَ التلفزيوني الذي جمعَ بينَ رجلي فتح وحماس القويين في الضفةِ الغربية، جبريل الرجوب ابن بلدة دورا في الخليل، وصالح العاروري ابن بلدة عارورة في رام الله، فعكسا بما يمثلان من انتماءٍ سياسي كبيرٍ وجغرافيا فلسطينية مهمة، ثقلاً كبيرًا وأهميةً خاصةً لهذا اللقاء الذي جاء مفاجئًا لكثيرٍ من المراقبين والمعنيين بالشأنِ الفلسطيني، في ظلِّ الظروفِ الصعبةِ والتحدياتِ الخطيرةِ التي يعيشها الفلسطينيون وتواجهها قضيتهم، إذ باتت المخططاتُ الإسرائيليَّةُ والمؤامراتُ الأمريكيَّةُ تستهدفُ ما بقي من وطنهم، وتتطلعُ إلى مصادرةِ ما بقي من أرضهم، مستفيدين من تردي الأوضاعِ العامةِ في المنطقة.

لم يكن اللقاءُ شكليًّا ولا صوريًّا، ولم يكن تمثيليًّا ولا استعراضيًّا، بل كان جادًّا ومسؤولا، ومهمًّا واستراتيجيا، هذا ما كان يأمله الفلسطينيون، وإن شككَ الكثيرون به، وقلَّلوا من شأنه وهونوا من أمره، معتبرين إياه لقاءَ المهزومين ومناظرةَ العاجزين، إلا أنه يشكِّلُّ نقطة تحولٍ بارزةٍ، وانطلاقة نوعية جديدة، وخطوة عملية جادةً، شرط أن تؤسس لها وتبنى عليها، وتكون ضمن رؤية شاملة واستراتيجية واضحة، لا أن تكون قفزة في الفضاء، واستعراضًا بهلوانيًا للفت الأنظار، أو فرقعة صوتية في الهواء، ولا أن تكون رقصًا منفردًا أو جوقةً ثنائية فقط، تجمع بين اثنين وتهمل البقية، وإنما تكون ضمن برنامجٍ مشتركٍ، وتصورٍ وطنيٍ جامعٍ لا يقفز على الثوابت، وحوارٍ وحدويٍ شاملٍ لا يستثني أحدًا من الشركاء.

ينبغي على قيادات حركتي «فتح» و«حماس» أن يدركوا أنه لا يمكنهم العبث بمشاعر المواطنين، والاستهزاء بآمالهم والاستخفاف بطموحاتهم، فقد تابعوا جميعًا تفاصيل اللقاء، وأملوا فيه كثيرًا، وتمنوا أن يكون نقطة البداية نحو عهدٍ جديدٍ ومرحلةٍ جادةٍ، يطوون فيه خلافاتهم، ويسوون مشاكلهم، ويوحدون برنامجهم، ويثبتون ثوابتهم، ويتمسكون بحقوقهم، ويجمعون شتات قواهم، فلا يتفردون في القرار، ولا يستخفون بالآخرين، ولا يهملون فصيلاً أو حزبًا، ولا يصادرون إرادة طرفٍ أو موقف تيارٍ، ولا يتصرفون وكأنهم وحدهم من يملك القرار ويتحكم في المصير، ولا يتقاسمون المهام ويتبادلون الأدوار ويتجاهلون شركاءهم في القضية والوطن.

اللقاء الذي جمع بين رجلي فتح وحماس القويين، كانا من الضفة الغربية التي تدور عليها الدوائر، وتحاك ضدها المؤامرات، فكان في لقائهما رسالة واضحة إلى العدو الإسرائيلي الذي ارتبك لاجتماعهما، واضطرب للقائهما، واستغرب اتفاقهما، أن الفلسطينيين سيظلون جميعًا صفًّا واحدًا في مواجهة الاحتلال ومخططاته، وأن الضفة الغربية ستقف كلها معًا، يدًا بيدٍ، وستهب هبةً واحدةً في مواجهة مؤامرات الضم وسياسات القضم، ولن تكون بعد اليوم أبدًا أرضًا للعدو رخوةً، يخترقها وقتما يشاء، ويقتطع أطرافها ويمزق قلبها كيفما يريد، فكان لقاؤهما دعوة واضحةً وصريحةً لمواجهة العدو بالقوة، وصده بالسلاح، إذ بغيرهما لن يرتدع ولن يتراجع.

المفردات التي استخدمها الرجلان كانت في أغلبها إيجابية وتفاؤلية، وتبعث على الأمل وتحض على العمل المشترك، وتدعو إلى تصعيد النضال بكل أشكاله وأنواعه، وتعد الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده بأنهما سيقدمان له نموذجًا جديدًا في الاتفاق والتعاون، وفي التفاهم والتكامل، وسيعملان معًا لتحقيق الأهداف الوطنية كلها، وسيكونان هذه المرة جادين في مسعاهما، وصادقين في تصريحاتهما، ولن يكون لقاؤهما مجاملة أو مناورة، ولا محاولة للالتفاف على بعضهما أو الانقضاض على أنصارهما في مناطقهما، بل سيكون اللقاء منصةً للتفاهم الكلي والإجماع الوطني، وهو ما يريده الشعب من هذا اللقاء وما يتطلع إليه، إذ لا يريد كلامًا منمقًا، وخطبًا رنانة، وتصريحاتٍ ناريةً، ودغدغة عواطف وإثارة مشاعر، ثم ينقلب كل فريقٍ إلى ما كان عليه وإلى المربع الذي كان فيه.

لم يكن الشعب الفلسطيني في حاجةٍ إلى تحد إسرائيلي جديد، ولا إلى مخططات ضم أراضي غور الأردن وأراضي الضفة الغربية، ولا إلى فزاعةٍ جديدة وصرخةٍ مخيفةٍ حتى يلتئم صفه وتجتمع كلمته، أو يتنادى قادته وتتحاور فصائله، بل هو في حاجةٍ دائمة لأن تلتقي قيادته وتجتمع قواه في كل الظروف والأوقات، لتنسق جهودها وتتبادل أدوارها، وتتحد إرادتها لمواجهة الاحتلال والتصدي لمشاريعه، وإفشال مخططاته وإحباط آماله، والعمل على تحقيق أهداف الشعب في استعادة الأرض وعودة الأهل، وتحرير الأسرى وإطلاق سراحهم من هوان السجون وذل الاعتقال، والعمل الجاد لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية الكبرى.

لا أنكر أنني واقعي تمامًا، أدرك حجم الخلافات بين حركتي «فتح» و«حماس» وعمقها، وأعلم يقينًا درجة التباين بينهما، ومدى تمترس كل فريقٍ وجموده على مواقفه، ولكنني سأحمِّلُ هذا اللقاءَ وما بعده كل الأماني وجميع الطموحات، وسأطالبهما باستكمال ما بدآ، وإتمام ما أعلن عنه طرفاه، وهذا الأمر ليس خيارًا أو رأيًا، بل هو قرارٌ وأمرٌ، وأمانةٌ وواجب، أطلقه باسم الشعب، وأعبر عنه نيابةً عن الأمة، ليقيني التام أن الحركتين قادرتان على صناعة شيءٍ ما يعيد الأمل إلى شعبنا، ويستعيد ثقته بهما، ويسترجع احترام الشعوب العربية والإسلامية لقضيتهما، وإلا فإن أحدًا بعد اليوم لن يصغي لهما، ولن يثق بهما، ولن يأمل فيهما خيرا، وحرامٌ عليهما أن يضيعا آمال هذا الشعب، وأن يكسرا بخاطره، ويتركاه نهبًا للعدو يفترسهم ويصادر أرضهم، ويغتصب حقوقهم ويطردهم من ديارهم.

 ‭{‬ كاتب من فلسطين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news