العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أزمة البطالة في دول الخليج العربي

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٥ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

دعونا نعود إلى الدراسة التي نشرها مركز الخليج لسياسات التنمية  وهي بعنوان: (المخاطر الاجتماعية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وسياسات المواجهة) في مارس 2017، التي اقتبسنا منها المقال السابق وهو بعنوان (أزمة العمالة الوافدة في دول الخليج العربي)، وقد قلنا إن هذه الدراسة تقع في حوالي 316 صفحة تناولت في فصولها الثمانية العديد من القضايا الاجتماعية التي تعاني منها دول الخليج العربي.

تناولت الدراسة في الفصل الخامس موضوع البطالة في دول الخليج العربي بوسم (البطالة خطر ينتج أخطارا عديدة) في حوالي 31 صفحة، لذلك سنحاول أن نقتبس من هذا الفصل بعض الجزئيات التي نشعر أنها مهمة.

والذي يهمنا في هذا الفصل الجزئية التي تتحدث عن (أسباب ظاهرة البطالة في مجتمعات الخليج)، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

الخروج من شظف العيش إلى الحياة المترفة: بعد تدفق النفط في دول الخليج، وخروجها جميعها من ذلك الاقتصاد الذي كان يعتمد على رعي الأغنام والإبل وانتظار مواسم الأمطار، وكذلك صيد الأسماك واللؤلؤ الموسمي، شعر الإنسان الخليجي بأنه آن الأوان للراحة، فلم يعد يحفل بالأمطار ولا ينتظرها، فغدت المياه متوافرة ويمكن أن يستخرجها من باطن الأرض أو أن يقطر مياه البحر فتتوافر له المياه التي يرغب، ولم تعد موسمية صيد الأسماك واللؤلؤ تهمه، فالأسماك أصبحت تُزرع وتتكاثر في مزارع خاصة مهيأة بأحدث الأجهزة، وكذلك اللؤلؤ الذي    مازال يحتفظ ببريق خاص، كل هذا أدى إلى ظهور بعض الرفاهية في حياة الإنسان الخليجي، ولكن من طبيعة النفس البشرية أن التي تتمتع بالراحة والرفاهية تستمتع بذلك فلا تحب أن تعود الى الحياة القاسية، فاستمر يرتقي في سلم الراحة ويحاول أن يبلغ قمتها، وهذه كانت ضريبتها أنه جلب العمالة الوافدة من الخارج لكي تقوم بعمله، وخاصة الأعمال التي تعرف بالأعمال المتدنية (Dirty Work)، واحتكر لنفسه وأولاده والأجيال الصاعدة القيام بالأعمال الإدارية والإشرافية، وخاصة في المؤسسات الحكومية الثابتة الدخل والمستدامة.

عدم وجود خطة للإحلال: وجدت دول الخليج نفسها بعد تدفق النفط أنها أمام حقيقة وهي أنه يجب نماء الدول، ويجب تحديث مجتمعاتها وتطويرها لتواكب العصر الذي بدأ ينفتح لها، وفي نفس الوقت وجدت هذه المجتمعات أنها تعاني من نقص شديد في عدد السكان وتحديدًا القوة العاملة الوطنية التي تستطيع أن تبني ذلك التحديث المنشود، فوجدت هذه الدول أن أسهل طريق لها التوجه نحو الدول الأخرى التي تعاني من فائض في عدد السكان بغض النظر عما إذا كانت تلك القوة مؤهلة أو غير مؤهلة، المهم أنها تستطيع أن تسد النقص. وربما لم يكن يثير هذا الموضوع آنذاك أي أزمة أو حتى مشكلة، ولكن مع تدفق العمالة الوافدة وفي ظل استحواذ هذه العمالة على أجور أعلى من الأجور التي تجنيها في دولها، وفي ظل تصديرهم لتلك الأموال إلى الخارج، فقد أسهمت في حلحلة اقتصادات أسرهم الشخصية ودولهم، وحاولت تلك القوة التمكن في المجتمع والسيطرة على مفاصل العمل من أجل السيطرة والتحكم. وعلى الرغم من ذلك، فإننا نشعر أن الموضوع لا مشكلة فيه، ولكن مع مرور الوقت بدأت القوة العاملة الوطنية في دول الخليج في التزايد وبدأ عدد السكان يتضاعف، ووجد الشباب أنه غدا خارج اللعبة الوظيفية، وأنه أصبح رقما غير محسوب في مقابل استمرار الرغبة في جلب العمالة الآسيوية الوافدة. ليس ذلك فحسب، وإنما تضخمت هذه الأزمة خلال السنوات القليلة الماضية، ومع تضخم الأزمة كان من المفروض على الجهات التنفيذية في الحكومات الخليجية أن تضع الخطط والاستراتيجيات لإحلال العمالة الوطنية مكان العمالة الوافدة، إلا أنه لم نجد أن تلك الجهات قد حاولت على الأقل وضع خطط قصيرة أو طويلة المدى لإدارة هذه الأزمة أو على أقل تقدير إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة بصورة أو بأخرى، ولو كان على ورق، وإنما وجدنا استمرار تدفق تلك العمالة وتمكينها أكثر وأكثر من سوق العمل، وفي المقابل استبعاد العمالة الوطنية الشابة.

التعليم لم يسهم في الإحلال: في دول الخليج نعتقد أن الأمية انتهت تمامًا، وإن لم تنته فإنها على الأقل في طريقها نحو الانتهاء، وهذا أمر جيد، ليس ذلك فحسب وإنما تطور المستوى النوعي من التعليم كذلك، فبعدما كانت المجتمعات تطلب مجرد بعض التخصصات الهزيلة أصبحت اليوم تطالب برفع سقف التوقعات إلى ما لا نهاية، فتخرج لدينا العديد من الطلاب والطالبات في تخصصات نوعية ممتازة، فصار من الصعب على هذه الفئة من الشباب –من الجنسين– أن يقبل أي وظيفة تطرح في سوق العمل، فهل من الممكن أن يعمل خريج علوم سياسية –مثلاً– مصورا فوتوغرافيا إلا إذا كانت لديه تلك الرغبة؟ وقس على ذلك الكثير من التخصصات من طلاب الطب والهندسة وغيرها الكثير. إذن فارتفاع مستوى التعليم من ناحية وتطوير نوعيته من ناحية أخرى، وفي المقابل أدى عدم نمو وتطور سوق العمل وعدم تغير نوعية الأعمال المطروحة في السوق إلى تفشي نسب البطالة بين الشباب المتخصص، ولكن في الحقيقة، أن سوق العمل لم يكن هو السبب الرئيسي في أزمة البطالة، وذلك لأن سوق العمل تحكمه متغيرات اقتصادية كثيرة، لذلك تجد الدراسة أنه كان ينبغي على التعليم والمناهج التعليمية أن تواكب كل هذه المتغيرات، إلا أنها لم تفعل فظلت كما هي تتغير ببطء، وكذلك فإن التعليم والمناهج التعليمية كانت ومازالت توجه الطالب –بطريقة أو بأخرى– إلى الوظيفة المكتبية أو الإشرافية ولا توجهه إلى العمل في سوق العمل ليكون هو رائدا للعمل، وحتى المعاهد التقنية والمهنية فإنها تُخرّج الطالب ليعمل –وأكرر ليعمل– في ورشة عمل أو مكان للعمل، ولا تساعده ليكون هو ومع عدد من زملائه رواد عمل أو أن تقوم مجموعة من الشباب –من الجنسين– بتبني عمل خاص بهم.

المؤسسات الخاصة تفضل العمالة الوافدة: تقول الدراسة «إلى جانب ذلك نجد أن كثيرا من أفراد العمالة الوافدة يشغلون مناصب وظيفية وإدارية، لا سيما في القطاع الخاص، ومن خلال هذه المواقع فهي تعمل على إعاقة توظيف العمالة الوطنية، وذلك تأمينًا لنفسها وخوفًا من أن يحل المواطن محلها، لذلك فهي تحرص في بعض الأحيان على عدم تأهيله وتدريبه بحسب متطلبات الأعمال في المؤسسة التي تشغلها. يضاف إلى ذلك أنها تفضل دائمًا أن تأتي بعمالة من أوطانها، وتوصي أصحاب العمل في القطاع الخاص أنها أكثر مهارة وتأهيلا، ثم إن أجورها رخيصة بحيث يعود ذلك على المؤسسة بكثير من الأرباح، كما توحي إلى صاحب العمل وتُدخل في روعه أن أفراد قوة العمل الوطنية غير مطيعين، وأنهم يفتقدون المهارة التي يتطلبها العمل، حتى يقتنع أصحاب الأعمال ويميلون عادة إلى توظيف العمالة الوافدة، كما يبتدعون الأساليب التي تيسر لهم تحقيق ذلك، يضاف إلى ذلك أن العمالة الوافدة تتحايل في البقاء، فإذا تم الاستغناء عنها في بعض المؤسسات في بعض المناطق فإنها تسعى للالتحاق بمؤسسات أخرى في مناطق أخرى يساعدهم في ذلك أبناء جلدتهم أو تتحول من عامل إلى مالك، حينما تمتلك بعض الشركات أو المحال باسم المواطن، وتحصل على الربح مقابل أجر أو مبلغ تدفعه للمواطن الذي هو المالك الظاهري».

وتقول الدراسة في مكان آخر «بالإضافة إلى ذلك فقد تغلغلت العمالة الوافدة في مؤسسات القطاع الخاص وشغلت تدرجات سلمه الوظيفي كاملاً من الإدارة العليا إلى الإدارة الوسطى إلى الإدارة الدنيا، وبذلك نستطيع القول إنها سيطرت على الأعمال في أغلب القطاع الخاص وطورت الآليات التي تمكنها من التمدد فيه، بحيث تمكنت فعلاً من إزاحة أغلب العمالة الوطنية من القطاع الخاص، بل شاركت العمالة الوافدة قوة العمل الوطنية في القطاع الحكومي، هذا إلى جانب شغلها لكل فرص العمل في العمالة المنزلية تقريبا».

اللجوء إلى الأعمال الحكومية والإدارية: للأسباب الكثيرة التي ذكرناها أو التي لم نذكرها، لجأ الشباب في دول الخليج العربي إلى القيام بالأعمال المريحة، ضمن الغرف المكيفة، والاسترخاء اللذيذ، لذلك فقد «عزفت عن القيام بأغلب الأعمال في أغلب قطاعات العمل التي يحتاج إليها المجتمع الخليجي، وهو الخطأ الذي يحتاج إلى إرادة اجتماعية صلبة تطور السياسات الاجتماعية الجادة والمبدعة حتى تقبل العمالة الوطنية على القيام بكل الأعمال التي يحتاج إليها المجتمع، بغض النظر عن التقييم الثقافي لها، ويمكن أن تتبنى الدول الخليجية آليات كثيرة في هذا الصدد، كزيادة أجور هذه الأعمال بدرجة كبيرة، حتى تكسر عظام الثقافة التي تدينها، أو أن تجعل القيام بهذه الأعمال واجبًا وطنيا يُشكل إنجازه امتيازًا لأصحابه كالحصول على مساكن من الدولة، أو إعانات سنوية كبيرة من الدولة، ويمكن للإعلام أن يلعب دورا محوريا في هذا الصدد بأن يعيد تشكيل العقل الجمعي والرأي العام في المجتمع الخليجي تجاه هذه الأعمال».

الوعي المجتمعي: تشير الدراسة إلى أن «هذه العمالة الوافدة طورت الآليات التي تؤكد وجودها وتؤمن هذا الوجود، وبتحليل سوسيولوجي نجد أن العمالة الوافدة تحولت من كتلة بشرية لها وظيفة إيجابية لصالح المجتمع إلى كتلة بشرية أصبحت معوقة للمجتمع، وذلك لاعتبارات عديدة، من هذه الاعتبارات أنها قامت بأغلب الأعمال تقريبًا، وخاصة الأعمال الدنيا في تدرج سلم الأعمال، إذ استطاعت مع استمرار الوقت أن تطور ثقافة لدى المواطنين وقوة العمل الوطنية أن هذه الأعمال هي من نصيب العمالة الوافدة، وترسخت هذه الثقافة بحيث أصبح من الصعب على الحكومات مقاومتها».

وتستمر الدراسة في طرح الأرقام والعديد من الأسباب التي أدت إلى ظاهرة تفشي أزمة البطالة، ونجد أنفسنا نكتفي من كل هذا وذلك لضيق المساحة المتاحة بالقدر الذي طرحناه، إلا أن الموضوع كبير، لذلك يمكننا أن نوجه خطابنا إلى الجهات التنفيذية وندعوها إلى قراءة الساحة المهنية والعمالة الوطنية بصورة موضوعية حتى نتجاوز هذه الأزمة الاجتماعية بأقل الخسائر الممكنة، وقبل أن أختم أود أن اقتبس هذه الفقرات من الدراسة بصورة مباشرة، تقول الدراسة: 

«بذلك شكل وجودها خطورة، لكثافة وجودها المرتفع، وكذلك لأن العمالة الوافدة طورت وعيا بضرورة البقاء، حيث أصبحت وبدأت تستعين بدولها تارة وبالمؤسسات والقوى الدولية تارة أخرى، وهو ما زاد من خطورة وجودها، لأنها بدأت تطور هذا الوجود من وجود اجتماعي إلى وجود سياسي له محاذيره ونتائجه السلبية المحتملة».

وفي النهاية تدعو الدراسة إلى أن: «يصبح من الواجب على الدول التي تعاني من هذه الظاهرة تطوير السياسات الاجتماعية لمواجهة ظاهرة البطالة، وغلق أبواب المخاطر المحتملة التي قد تتولد عن هذه الظاهرة التي تتحول إلى مشكلة بنائية تفرخ كثيرًا من المشكلات، كمشكلة استمرار انكماش مشاركة قوة العمل الوطنية، ومشكلة الظواهر السلبية التي قد تظهر نتيجة لها، كظاهرة تعاطي المخدرات لقتل وقت الفراغ أو ارتكاب بعض الجرائم للحصول على دخل، أو حتى لشغل وقت الفراغ، إضافة إلى أن تزايد مشكلة البطالة يؤدي إلى هز استقرار المجتمع إذا توافرت ظروف أخرى».

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news