العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

عـنــاصر الـقـوة فـي الــشـخــصية الـمـسلمة

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٥ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

الإسلام هو الدين الكامل الذي أكمله الله تعالى في توحيده، وشرائعه، وعباداته، وأخلاقه، وهو يحب من أتباعه أن يكونوا أقوياء في مواجهتهم لأحداث الحياة، وتقلبات الزمن، وهو حين يدعوهم إلى التوكل على الله تعالى فهو يدعوهم إلى التوكل على الحي الذي لا يموت، وكل شيء هالك إلا الله تعالى، أيضًا هو يدعوهم إلى التوكل على القادر الذي لا يعجز، وعلى القوي الذي لا يضعف، والغني الذي لا يفتقر، وعلى الإله الذي له حكمة فيما يجريه على عباده.

وهو يدعوهم أيضًا إلى التمسك بحبله المتين، بالقرآن الكريم الذي من تمسك به نجا وأفلح، ومن هجره خسر وندم، قال سبحانه: «واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون» آل عمران/103.

وحبل الله المتين: هو القرآن الكريم، في توحيده، وفي شرائعه، وفي عباداته، وأخلاقه، وهو القمة في الكمال والتمام في كل جانب من هذه الجوانب، ومن تمسك به استكمل عناصر القوة في شخصيته، وتفرد عن غيره لأنه يأوي إلى ركن شديد يمنعه من أعدائه، وفي حصن حصين يحميه ممن يريدون الشر به.

وإذا أردنا أن نعرف عناصر القوة في المؤمن لِنُفَعِّلُها في حياتنا نجد ذلك واضحًا أشد الوضوح في الحديث الذي رواه الإمام مسلم، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): [المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان].

إذن، فعناصر القوة في الشخصية المسلمة أربعة: الحرص على ما ينفع المؤمن في عاجل أمره وآجله، أي في دنياه وآخرته، والاستعانة بالله تعالى في كل وقت وحين، ونحن نطلبها ونلح في طلبها آناء الليل وأطراف النهار، ونحن نتلو سورة الفاتحة في جميع أوقات الصلاة وخارجها، نقول: «إياك نعبد وإياك نستعين» الآية/5.

إننا نستمد العون والتثبيت من الله تعالى، المعبود بحق دون سواه، نستمدها من الحي الذي لا يموت: «وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا» الفرقان/58.

نستمدها من القادر الذي لا يعجز، ومن الغني الذي لا يفتقر، ومن الحكيم الذي له حكمة فيما يجريه على عباده من بلاء وامتحان، علم العباد ذلك أم جهلوه.

بعد الحرص على ما ينفع المؤمن، والاستعانة بالله تعالى، نجد العنصر الثالث من عناصر القوة في الشخصية المؤمنة، وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم [..ولا تعجز] وكيف يعجز المؤمن الواثق بمولاه سبحانه، وبأنه قادر على كل شيء، فَعَّال لما يريد، لا شك أن العجز والضعف لن يتسرب إلى نفس المؤمن، ولن يعرف الطريق إلى قلبه، عندها سوف يشعر المؤمن بدبيب القوة تسري في أوصاله، ويستعيد قوته وإيمانه ليواجه بها أحداث الحياة، عندها يشعر المؤمن بأن هناك عنصرًا من عناصر القوة لم يلجأ إليه، ولم يُفَعِّله، وهو قوله حين ينزل به البلاء، أو يَلُمّ به داء: «قَدَّرَ الله وما شاء فعل» لأنه لو لم يكن ما وقع له هو من قدر الله تعالى ما وقع، وكونه وقع فهو إذن من قدر الله تعالى، وقدره سبحانه لا يرد، قد يخفف لكنه لا يرد، وفي الدعاء المأثور: «اللهم إنَّا لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه» لكن القضاء واقع لا محالة، فحين يواجه المؤمن البلاءات بقوله: «قَدَّر الله وما شاء فعل» خاصة أن كلمة «لو» تفتح عمل الشيطان كما قال صلى الله عليه وسلم، فإن المؤمن بهذا قد استكمل عناصر القوة في شخصيته، وأوى إلى ركن شديد، ثم بعد ذلك لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه، كما قال الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) لأن الموت الذي نفر منه فإنه ملاقينا، يقول سبحانه وتعالى: «قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون» الجمعة/8.

إذن فنستطيع أن نقول ونحن مطمئنون إلى أن العنصر الرابع من عناصر القوة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: [... قَدَّر الله وما شاء فعل] هو عنصر جامع لكل العناصر مانع لغيرها، وهو التسليم بالقضاء والقدر وذلك حين يستنفد المؤمن الأسباب التي سخرها الله تعالى للإنسان، فإذا أخذ المسلم بالأسباب فإنه بعد ذلك يسلم أمره إلى الله تعالى، ويتوكل عليه سبحانه، ورحم الله تعالى إمام الدعاة في العصر الحديث الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي كان يقول عن التوكل على الله: «الجوارح تعمل، والقلوب تتوكل».

إذن، فالمؤمن القوي هو الذي جمع هذه العناصر في نفسه، وحرص على أن يواجه بها شياطين الإنس والجن، وحتى المؤمن الضعيف له حظ من رعاية الإسلام وعنايته. ولا يحرمه النسب إلى المؤمنين، ويشجعه على زيادة منسوب الإيمان في قلبه حتى يلحق بطائفة المؤمنين الأقوياء. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news