العدد : ١٥٤٧٨ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٨ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤١هـ

بريد القراء

في ظلِّ أزمة 3-3

حصّة عبدالله النعيمي

السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٠ - 10:25

رغم انشغال المجتمع الدولي بجهود احتواء ما تسبّبت به أزمة تفشّي فيروس كورونا المستجدّ من خسائر صحيَّة واقتصاديَّة، وَجَدَت منظمة الصحة العالمية حيّزًا للإشادة بمنجزات عددٍ من الدول في التعامل مع تداعيات الوباء العالمي، ومن ضمنها مملكة البحرين. ومع إيجابية هذا الأمر، إلا أنني لا أرى ضرورةً للوقوف طويلا أمام الإشادات، فالمسؤوليات الملُقاة على عاتق الفريق الوطني أهم وأكبر من تلقّي التهاني من هذه الجهة أو تلك.

ولستُ اليوم بصدد الإشادة بتلك الجهود، فقد نالت من كُتّاب الأعمدة والصحفيين ما نالت، ولكنني أودّ استكمال آخر جزءٍ معنيّ بوعي المجتمعات وأهميته كأحد أبعاد الأزمة. فلو أخذنا محور «التحوّل إلى العالم الرقمي» كمؤشر دالّ على رغبة الأفراد أو قدرتهم على تخطي التحديات المنبثقة على صعيد الدراسة أو العمل، وبناءً على دراسة مصغّرة كنت قد أجريتها مؤخّرًا حول تبنّي الأفراد ومؤسساتهم لوسائل التكنولوجيا في ظل تفشّي أزمة فيروس كورونا المستجد بمملكة البحرين، والتي رَصَدَت اتجاهات عيّنةٍ قوامها 260 فردًا ممن هم فوق سن الثامنة عشرة، تبيّن أن غالبية العيّنة «85.4%» لم تواجه صعوبة في تطبيق التباعد الاجتماعي، فيما عبّر «75%» عن انتقالهم بل واعتمادهم على الوسائل الإلكترونية لتسيير وتنفيذ المهام الدراسية والوظيفية، الأمر الذي يتوافق مع آراء العيّنة حول وصف عملية التغيير بشكلٍ عام باعتبارها غير صعبة «بنسبة تبلغ 53.8%». بينما أكد ما يزيد على نصف العيّنة «51.5%» استعداد وتبنّي جامعاتهم ومؤسساتهم الحكومية والخاصة فكرة الانتقال إلى العالم الرقمي ما يدلّ على وجود إدراك واضح ومبكر لأهمية مجاراة العصر وما يمر به من ظروف استثنائية جعلت من التغيير أمرًا حتميًّا. كما عكست نتائج الدراسة وجود علاقة طرديّة بين اتّباع سياسة التباعد الاجتماعي والانتقال بشكلٍ أكبر إلى الخدمات الإلكترونية، وكذلك علاقة ذات دلالة إحصائية بين المتغير الديموغرافي المتعلّق بالمرحلة العمرية وتطبيق سلوك التباعد الاجتماعي، إذ اتّبع المبحوثون «من سن 45 إلى54» هذا السلوك بشكلٍ أكبر. الأمر الذي يعكس وعي هذه الفئة بدور التباعد الاجتماعي في تقليل فرص انتقال العدوى في الدوائر العائلية، بالتزامن مع إجراءات حكومة المملكة الاحترازية فيما يخص تقليل نسبة العاملين في المكاتب، والتوجيهات الصادرة بشأن تطبيق التباعد الاجتماعي قدر الإمكان. 

رجوعًا إلى الوعي -للمرّة الأخيرة- إنّ بلادي اليوم في حاجة إلى وِقفة صفٍّ واحد، نتفاعل بإيجابية وندعمُ بوعي كل الإجراءات والقرارات التي من شأنها الخروج بمجتمعنا من عنق الزجاجة بأقل الخسائر، إنّ هذه الوقفة بمقدورها أن تُجنّب المملكة الوقوف في «ظلّ الأزمة»، والمُضيّ قُدُمًا نحو غدٍ أرحب، مُحمَّلين بدروس مهمة نستطيع روايتها لأجيالٍ قادمة لنقولها بثقة: «استطعنا جميعًا التصدّي لوباءٍ حلّ بالعالم فأنهكَه، ولم تنكسر حدّته عند حدود أكثر الدول تقدّمًا». 

وبالحديث عن التقدّم، أعود مجددًا إلى الإطار العام لسلسلة المقالات، وهو مسألة تصنيف الدول، فلقد أثبتت الأزمة أهمية إعادة النظر في المعايير التي تُصنَّفُ على أثرها الدول في العالم، كما بات جليًا أن دول الخليج العربي أقرب إلى الدول المتقدّمة مما هي للدول النامية، باعتبار أن لديها موردا مهما وهو النفط حتى وإنْ تذرّع الخبراء الاقتصاديون بحجة التصدير وعدم استغلال المورد محليًّا. ونظرًا إلى اختلاف هذه الدول عن دول العالم الثالث «فيما يتعلّق بعدد الأطباء لكل ألف نسمة ومؤشرات التعليم»، فالأمر مرهونٌ إذا بحداثة الاستقلال وصعوبة المناخ. وفي وقتنا الراهن لا أجد في الأمرَين مسوّغًا لتصنيف دول الخليج العربي كدول نامية. إن منظومة مجلس التعاون تقترب أكثر من أي وقتٍ مضى إلى عتبة التقدّم بل وتقف عليها. وقد آن الأوان لتنضمّ رسميًّا إلى الدول الكبرى في العالم. 

وكما ذكرتُ في المقالَين السابقَين، فإن للأزمات دورًا مؤثرًا في كشف صلاحية البُنى التحتيَة الماديّة للدول، فلم يكن لنصيب الفرد الواحد من إجمالي الدّخل القوميّ للدول أي أهمية. وبالتالي فلابُد من مراجعة التصنيف الحالي. فالحال اليوم ليس كالحال في نهاية أربعينيات القرن الماضي، حين جاء ذكرُ الدول النامية لأول مرة في وصف الرئيس الأمريكي السابق ترومان الشعوب التي تعاني الجهل والفقر بالأمم النامية-وما أبعَدَنا عن تلك الصفتَين- فقد أسدلَ الرئيس «الديمقراطي» بمقولته تلك رداءً فضفاضًا على خارطة العالم دون مراعاةٍ للخصوصية الجغرافية والتاريخية لكل دولة. فهل من المعقول أن تتحمّل دول الخليج العربي عبء هذا الوصف؟ بعد كل ما مرّت به من مراحل إصلاحية وما قَطَعَتهُ من أشواط كبيرة وضعتها بطبيعة الحال وكما نرى في مصاف أبرز الدول في المجالات كافّة؟

باحث دكتوراه – برنامج إدارة الابتكار

جامعة الخليج العربي

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news