العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الثقافي

لمـن الأسبقيـة يا تــرى؟

السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٠ - 10:20

نشر الصديق الشاعر كريم رضي مقالة على موقع أوان الثقافي، يوحي من خلاله كما فهمت في تلك المقارنة بين الرواية وأسبقية من كتبها عربيًا، وبين جائحة كورونا – كوفيد 19. وكأن المقال يعلن أن الأهمية في كيفية القضاء على هذا الفيروس، وليس الوقوف على المكان الذي جاء منه، وإذا كان هذا الاستنتاج صحيحًا، فلنقف عند الرواية قليلاً لأهمية ذلك أيضًا، حيث كل أمة أو كل شعب يتفاخر بمنجزه الحضاري والثقافي، بما في ذلك المنجز الأدبي شعرًا ومسرحًا وسردًا، وكما نعرف جميعًا وعلى الرغم من السرديات القديمة التي كانت هنا وهناك على مستوى العالم كله.

فإن الشعر آنذاك كان متربعًا على عرش الكتابة الأدبية، وبالتحديد شعر الملاحم التي نسجت عوالم الأساطير، مثل ملحمتي الإلياذة والأوديسة لهوميروس، وملحمة جلجامش، والمعلقات في عالمنا العربي التي سجلت تاريخًا مهما لمراحل تاريخية عربية، وفي خضم هذا التوسع والانتشار الشعري كانت النصوص السردية عامة والخطب تحديدًا السياسية أو الدينية أو الاجتماعية التي كانت تحفز الناس آنذاك إلى الفعل موجودة ومنتشرة وإن لم تكن بقدر الشعر، بل حتى حكايات ألف ليلة وليلة لم تكن ذا اهتمام في الدرس التعليمي والنقدي إلا بعد ما جاءت لنا من أوروبا على الرغم من وصولها للغرب بلغة عربية.

وفي الوقت الذي نرى عرش الشعر عاليًا، فإن النص السردي لم يكن مختفيًا أو بعيدًا عن المشهد الثقافي والأدبي، ذلك النص الذي ينظر إليه بوصفه نثرًا في مقابل الشعر، ولكن أي هذا النثر الذي نعني؟ إنه تلك السرديات التي تشكل لنا حاليًا الرواية والقصة والحكاية والمثل والحكمة والرسائل الإخوانية وخطاباتها والرحلات وغيرها، وهذا يعني النوع من الكتابة كانت ولا تزال موجودة في كل الحضارات والثقافات والأدبيات عالميًا، غير أننا لا نستطيع الجزم بأولوية هذه أو تلك مكانيًا، أو حضاريًا، أو ثقافيًا، أو أن هذه الدولة سبقت الأخرى؛ لأن هذا الاتجاه يقوقعنا في بوتقة التفكير الضيق الذي يفرض علينا البحث عن أصول الأولية، وهذا يعني أننا مهووسون بمعرفة الأسبقية والأولية، وكأنها تحقق لنا الإنجاز الذي نحن لم نعد نبحث عنه لما للحياة والثقافة والأدب من معطيات أخرى تفرضها علينا في دراسة قضايا أخرى أكثر جدية، وأنجع فائدة للمجتمع عامة والثقافي بخاصة. 

لقد درسنا ونحن في المرحلة الجامعية ثم قراءاتنا في السرد بأن رواية زينب لمحمد حسين هيكل هي أول رواية عربية كتبت وصدرت في عام 1913 وهذا ما تؤكده مؤلفات كثير من النقاد في عالمنا العربي، ولكن حين نعود إلى كتاب الدكتورة بثينة شعبان الذي عنونته بــ (100 عام من الرواية النسائية العربية) التي أكدت فيه أن الرواية العربية كتبتها المرأة قبل رواية زينب، حيث جاء في تقديم الناقد محيي الديم صبحي ما يؤكد استقراء الناقدة لتأريخ الكتابة الروائية، حيث «إن نشوء الرواية العربية كانت على يد مؤلفات لبنانيات منذ العام 1899, حين نشرت زينب فواز روايتها الأولى (حسن العواقب)، وفي العام 1904 نشرت لبيبة هاشم روايتها الأولى (قلب الرجل)». غير أن الدكتور جابر عصفور بين في تقديمه، ودراسته لرواية فرنسيس فتح الله مراش المعنونة بـــ: (غابة الحق)، فيقول: «أما رواية غابة الحق فقد أصدرها فرنسيس فتح الله المراش سنة 1865, وطبعها بمدينة حلب في المطبعة المارونية، ثم طبعت الطبعة الثانية في بيروت، وفي سنة 1922, طبعت الطبعة الثالثة بمصر» وكأن يقول أنها أقدم رواية عربية، بل يؤكد الناقد أنه الرواية لم «تكن بعيدة عن مسار الرواية الأوروبية التي عرفها المراش عن طريق ثقافته الفرنسية، وجنح إلى أشكالها الكلاسيكية ذات الطابع الفلسفي العقلاني» مما يعني أن رواية زينب ليست أول رواية عربية.

ولو عدنا إلى الرواية العالمية فالمؤشرات التي عرفناها تقول إن رواية دون كيخوت لثربانتس هي أول عمل روائي برز في أوروبا، وذلك بين عام 1605 حين صدر الجزء الأول، وعام 1615 حين صدر الجزء الثاني، في الوقت الذي يؤكد مترجم الرواية الدكتور عبدالرحمن بدوي أن ثربانتس تأثر كثيرًا بما سبقه من كتابات الفروسية والمغامرات، وإذا كانت هذه الرواية جاءت في القرن السابع عشر الميلادي، فهناك (حكاية جينجي) لموراساكي شيكيبو المكونة من جزأين بعدد صفحات وصلت إلى (1800) صفحة، حيث يشير مترجمها إلى العربية الأستاذ كامل يوسف حسين قائلاً: «إن هذا العمل رأى النور لأول مرة في مستهل القرن الحادي عشر الميلادي، وينقل رأي نقدي يقول: إننا على امتداد صفحات حكاية جينجي نلتقي مع الرواية الأولى بالمعنى الصحيح» وهنا يؤكد المترجم أن هذه الحكايات هي أول عمل روائي في العالم، غير أن كل هذا يدخل ضمن الآراء الشخصية وإن كانت السنوات والقرون تؤخذ بعين الاعتبار. 

إن معرفتنا أو عدم المعرفة بالأسبقية والأولوية هل يضيف إلى الرواية أو الكتابة السردية شيئًا آخر؟! نحن اليوم لسنا في مواجهة ذلك والبحث عنه، وكأننا نعيد المقولة التي يتشدق بها العديد من الناس بأن هذا العرق أو ذاك هو الأصل أو له الأولوية وما شابه ذلك في الوقت الذي علينا أن نفكر جميعًا في كيفية البناء والتفكير في تشكيل المجتمعات وإيجاد النظريات التي تمحور حياتنا نحو عالم منقسم بين الواقع والافتراض، دورنا في قراءة واعية لتراثنا وثقافتنا وتراجعنا، وكيف نوظف الرواية أو الأدب بصورة عامة في خدمة الإنسانية وقضاياها، وفي تطوير الأدب فنيًا وجماليًا، وهذا ما أتصوره علينا القيام به اليوم قبل غدٍ، وإذا نحن لا ينبغي أن نحبس أفكارنا وجهودنا في معرفة الأسبقية السردية، علينا أيضًا ألا نفكر من نشر فيروس كورنا بقدر ما ينبغي أن نقف صفًا واحدًا لمواجهته والتغلب عليه، وهذا ما فعلته العديد من الدول ولا تزال. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news