العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإنــســــان فـــي الــقـــــرآن (21)

الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: عاطف الصبيحي

 سنتعامل مع قول لبيد بن أبي ربيعة في إطار الثوابت الكبرى والقوانين العامة، على أنه حقيقة كبرى: ألا كل شيء ما خلا الله باطل - وكل نعيم لا محالة زائل. وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعر بقوله: إنها أشعر كلمة قالتها العرب، لأنها حكمة بالغة، وبصيرة نافذة، نطق بها شاعر في جزيرة العرب، ومازال صداها يتردد في حواضر العالم الكُبرى، إذ تقلبوا على مناهج شتى في الحياة سنين طويلة، ثم ما يلبثوا أن ينقلبوا على أنفسهم لاكتشاف الثغرات، في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفلسفية، لأنها ببساطة مُنتج بشري، بينما الإسلام بقرآنه وعقيدته وشريعته وأخلاقه يمتاز بالثبات في الأصول والقواعد التي هي منارات للمستجدات. 

فالشريعة هي النظام أو الأداة العملية لتحويل المعطيات العقدية للإسلام المُستمدة من القرآن إلى ممارسة منظورة، وجعلها تنفذ إلى قلب الواقع، وتتمكن من تغييره، وإعادة صياغته في ضوء مبادئها المتميزة، والشريعة الإسلامية، أو النظام الإسلامي، بما أنه صدور عن الله سبحانه -كما يقول مارسيل بوازار- فهو مُطلق وسامٍ، وليس منافيا للعقل، ولا يمكن أن يكون كذلك، لأن الله قبل كل شيء حق، ولأن الإرادة الإلهية هي التي تفرض نفسها بوصفها تعبيرا عن الحقيقة المطلقة، لا مجرد أمر صادر عن إرادة عليا، أظن أنّ فكر مارسيل تطابق مع فطرة لبيد بن أبي ربيعة التي صاغها شعرا.

وبمقارنة هذا النظام، بمصدره الإلهي، وبسمّوه، وبتحديده، وبانبثاقه عن الحقيقة المطلقة، مع كل الأنظمة والشرائع الأخرى في تاريخ البشرية، يتبين لنا بالتأكيد الفارق الحاسم بين النموذجين، بين المطلق والنسبي، والنظام الإسلامي ليس هياكل ومؤسسات وقوانين، أُريد لها أن تتولى مهمة التنفيذ العملي لمطالب العقيدة فحسب، وإلا لتساوى في وضعه وهدفه مع سائر النظم الوضعية. إنما هو نظام متعاشق مع العقيدة التي صاغته، إنها بمثابة روحه، وهي لا توجد بموازاته أو وراءه، ولكنها معه.

 فالدين الإسلامي يمثل ركيزة لكل شامل وأوحد، لا تنفصل فيه مدركات الإيمان عن مدركات القانون، إنه شريعة الله، وهذا ما يمنح النظام بالتأكيد قدرة أكثر فاعلية على التحقق، كما أنه سيضعه في إطاره الإنساني الثابت، بعيدا عن تقلبات الأهواء ونسبيات المصالح والتحزبات -والمحور الإنساني هو نقطة ارتكاز هذه السلسلة من المقالات الرمضانية- وهذه ضمانة لحقوق الإنسان في بنية العقل المسلم، طالما أنه يستمد فعاليته من كتاب الله الكريم، فضلا عن أنه يُخفف إلى حد كبير من حِدة الرقابة الخارجية، التي غالبا ما تعتمد على أدواتها القمعية القسرية، بفضل فاعلية الوازع الداخلي ذاتيا، حبا وطواعية، إن الخضوع للشريعة، والرغبة في احترام نظامها وقانونها، ينجم عن الرضا بالدين الذي يفرض مفهوما عاما للمجتمع ومستقبله.

وهكذا يغدو وجدان المؤمن المُتشكل في ضوء العقيدة مع الشريعة «سلطة تطالب من أعماق القلب بتقديم حسابات، ويقوم أساسها الأول ذو الجوهر الديني في النفس الإنسانية، التي لا تنفك تنتقد وتراقب»، كما تدل على ذلك كثير من آيات القرآن، وبناء على ذلك فإن الإيمان والخضوع الديني لا يلغيان حرية الاختيار لدى المؤمن، الذي عليه أن يتحمل مسؤولية أعماله، ولا ريب أن هذا الوازع الديني الذي يحفز ويحمي صيغ التنفيذ الأمين لمطالب الشريعة والتزاماتها انسحب بالضرورة على العلاقات الإنسانية البينة للجماعة الإسلامية، وكذلك على العلاقات الخارجية على مستوى الفرد، فالمسلم هو سفير مؤتمن على عقيدته وحارس أمين لها، على المستويين الفردي الاجتماعي، وعلى مستوى الدولة بعلاقاتها الخارجية، وسيرة نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام شاهدة على سمو الالتزام مع المُعاهِد، وهذا بُعد جديد لمفهوم التقيد الإلزامي بالمعاهدات الدولية والعلاقات الفردية كذلك.  وهذا هو الوازع الأخلاقي بمفهومه العام الذي يفعل فعله في تنفيذ الشريعة وحمايتها من الخطأ والانحراف.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news