العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الاسلامي

ضياع النسخة الأصلية للتوراة.. وانقطاع سندها (4)

الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: د. رائد أبورية

صار معلومًا لدى الباحثين في علم مقارنة الأديان بل عند السواد الأعظم من مثقفي المسلمين أن التوراة المتداولة الآن، والموجود بين دفتي ما يسمى بالكتاب المقدس ليست هي التوراة التي أنزلت على سيدنا موسى عليه السلام، ولم يقف الأمر عند ذلك فحسب، بل إن علماء مقارنة الأديان كثيرًا ما يؤكدون أن هذه التوراة منقطعة السند. إن التوراة التي نزلت على سيدنا موسى عليه السلام قد فُقدت على مرِّ التاريخ، ولكن أحبار اليهود قد دوَّنوا ما بقي منها مما تحمله صدورهم، وهو قليل جِدًّا، ثم أضافوا إليها ما ليس منها -وذلك كثيرٌ- بما يتناسب مع أمنياتهم وأحلامهم المنشودة؛ محاولين إثبات حظوة اليهود وأفضليتهم على بقية الشعوب؛ ولذا بدت النزعة العنصرية واضحة، وطفت الطبيعة النرجسية على هذه التوراة المحرَّفة حتى صارت سمةً مميزةً لها، ثم نسبوها إلى سيدنا موسى عليه السلام مدَّعين أنها وحي من الله سبحانه وتعالى، ولكن سرعان ما ظهر للعالم الجليل د.علي عبدالواحد وافي -وهو من الباحثين في هذا العلم- ما يلي:

«إن التوراة قد ألفت في عصور لاحقة لعصر موسى بأمدٍ غيرِ قصير، وعصر موسى يقع على الأرجح في حوالي القرن (الرابع عشر، أو الثالث عشر) قبل الميلاد، وإن معظم سفري التكوين والخروج قد ألف حوالي القرن التاسع قبل الميلاد، وأن سفر التثنية قد ألف أواخر القرن السابع قبل الميلاد، وأن سفر العدد واللاويين قد ألفا في القرنين الرابعِ والخامسِ قبل الميلاد، وأنها جميعا مكتوبة بأقلام اليهود، وتتمثل منها عقائد وشرائع مختلفة تعكس الأفكار والنظم المتعددة التي كانت سائدة لديهم في مختلف أدوار تاريخهم الطويل.. فهي إذن تختلف كل الاختلاف عن التوراة التي يذكر القرآن أنها كتاب سماوي مقدس أنزله الله على موسى».

وبعد أن استعرض أحد المتخصصين في هذا الميدان وتقصى تاريخ تدوين كل سفر من أسفار التوراة، أخذ يقرر أن حوالي ألف عام على الأقل مرت فيها عشرات الأجيال ومئات التقلبات والأطوار السياسية والاجتماعية في بني إسرائيل ويهوذا كانت تتم في معظم مراحلها في ظل ظروف سياسية ضد إرادة الشعب الإسرائيلي اليهودي الذي يُكتب له أو عنه، ومن هنا جاء هذا الحشد الهائل من المعلومات المكرَّرة والأفكار المتعارضة والمتناقضة مع بعضها في أسفار العهد القديم.

وهذا من أوضح الأدلة على انقطاع سند التوراة الحالية التي يستمد منها اليهود والنصارى عقائدهم وتشريعاتهم.

ولمزيد من التأكيد على انقطاع سند التوراة الحالية وضياع التوراة الأصلية التي أنزلت على سيدنا موسى عليه السلام لا بد أن نعرض عرضًا موجزًا لتاريخ تدوين التوراة.

يقول الإمام الجويني: «أنزل الله التوراة في طور سيناء على النبي موسى عليه السلام مشتملة على العقيدة والشريعة، وكتب موسى منها ثلاث عشرة نسخة وأعطى لكل سبط نسخة، ووضع نسخة في التابوت، وخصص موسى -بناء على وحي- سبط لاوى ليقوم بتعلم التوراة وتعليمها للناس، وخصص نسل هارون عليه السلام من سبط لاوى لتكون فيهم الرئاسة الدينية ويكون منهم من يستنبطون الأحكام التشريعية من نصوص التوراة».

وهذا يعني أن موسى عليه السلام ترك التوراة الصحيحة بين قومه ثم عهد بها إلى نسل هارون وكلفهم بحفظها، ويؤكد ذلك ما جاء في القرآن:

«إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ» سورة المائدة، آية 44.

وهذه هي المرحلة الأولى، فهل ظلت التوراة كما هي؟ أم طرأ عليها التغيير بالحذف والإضافة؟

هذا ما سنعرفه في المقال القادم إن شاء الله تعالى.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news