العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

حرب المعلومات!

المجتمعاتُ التي لا تمتلكُ صناعةَ دوائها وغذائها ولباسِها وكلِّ الضرورياتِ في حياتِها، هي ذاتها المجتمعاتُ التي لا تمتلكُ مصادرَ البحثِ والعلمِ والمعرفةِ والإعلامِ وصناعةِ المعلومة وتعاني من التبعيَّةِ في كلِّ ذلك! وكما هي تستوردُ ضرورياتِها الحياتيَّة، فإنها تستوردُ الأفكارَ والمعلوماتِ والمفاهيم، وكلَّ ما يتعلقُ بصناعةِ وعي وثقافةِ شعوبِها ومجتمعاتِها، فيسهلُ التحكمُ فيها والسيطرةُ عليها وإبقاؤها في المدارجِ الخلفيَّةِ بين شعوبِ العالم! كما يسهلُ تمزيقُ وحدتِها الوطنيَّةِ والتلاعبُ بعقولِ أجيالها، وتحويلها إلى كائناتٍ استهلاكيَّة لما تضخه «مصانع السلع، ومصانع الأفكار» في الدول الأخرى التي يشار إليها بـ«المتقدمة والكبرى والعظمى»!

ومن نتائج ما سبق يتمُّ التلاعبُ في النهايةِ بوجودِها وهويتِها ومعتقداتِها وتاريخِها، لأن المستهلكَ لغذائه ودوائه ولباسه إلى جانبِ أفكارِه ومعلوماته وثقافته من مصادر خارجية، هو مستهلكٌ بالضرورةِ أيضا للمفاهيمِ السياسيَّةِ والقيمِ الأخلاقيَّةِ، ولأسسِ التعليمِ التي هي بدورِها خاضعةٌ لمقاييس وأسس ومفاهيم الدول، التي تستورد منها أفكارَها ومفاهيمَها ونظمَ تعليمها، والأخطر في كلِّ ذلك أنها كدولٍ استهلاكيَّةٍ خاضعة، تتوجه إمكانياتُها وثرواتُها وثرواتُ شعوبِها نحو المنتجاتِ غير الضروريَّةِ باعتبارِها في غايةِ الضرورة، ونجد «السلوكياتِ المنحرفةَ» باعتبارها وحسب النموذج العربي وقيمه المسيطرة اليوم أنها سلوكياتٌ طبيعية بل وهي من صلبِ الحقوقِ الإنسانيَّةِ والحرياتِ الضروريَّةِ إلى جانبِ استهلاك «المنتج الفكري» لكلِّ أبعادِه الإيجابيَّةِ والسلبيَّةِ في آن!

معَ التطوراتِ المذهلةِ في عالمِ اليوم وفي كلِّ جوانبِ العلومِ والتكنولوجيا والذكاءِ الاصطناعي والعوالمِ الإلكترونيَّة فإن «حربَ المعلومات» لم تعد مقتصرةً على صناعةِ المفاهيمِ السياسيَّةِ أو الفكريَّةِ أو الثقافيَّةِ، أو مقتصرة على المعلوماتِ الاستخباراتيَّةِ أو على التحكمِ في العوالمِ الافتراضية، وإنما أصبحت «المعلومةُ» العلميَّةُ والطبيَّةُ والإعلاميَّةُ، داخلةً كلها للأسف في المجالِ الحيوي لحربِ المعلومات أيضا، وبالتالي فإن الدولَ التي تنتجُ المعلوماتِ على اختلافِ مصادرها «سواء الصحيحة أو الزائفة أو التلاعب فيها عن عمد!» هي التي تمتلكُ ليس فقط إخضاعَ الدولِ والشعوبِ لمنتجاتها، وإنما تمتلكُ قوةَ السيطرةِ على تلك الدولِ «المستهلكة» والتلاعب بمصائرها!

العربُ لو اتخذوا القراراتِ الصحيحةِ في المجالاتِ التي لا صلةَ لها بالسياسةِ والمتعلقةِ بتكاتفِ جهودهم في الطب والعلمِ والبحثِ الطبي والعلمي والتكنولوجي كمثال، فإنهم يمتلكون كما قلنا دائمًا، كلَّ الإمكانياتِ الماديَّةِ والكفاءات البشرية والكوادر العاملة، لقيام تحالفاتٍ عربيَّةٍ «طبية علمية وتكنولوجية» كخطوةٍ أولى صحيحةٍ واستراتيجية من حيث الاستثمار ومن حيث حماية الأمن الصحي والغذائي بشرط أن تكونَ خارجةً من أسرِ الإداراتِ والمؤسساتِ البيروقراطيَّةِ، لتقوم بدلا عنها مثلا «الكوادر الطبية والعلمية» والمؤهلة لإجراءِ التجاربِ والبحوثِ واستخلاصِ المعلومات، ومثلها في «المجال الإعلامي والإلكتروني» إذ يخضعُ الخبرُ والحدث لعقولٍ إعلاميَّةٍ عربيَّة، بدلا من استيرادِها من المراكزِ الدوليَّة كدولٍ كبرى، لها مصالحُها وأجنداتُها ومخططاتها سواء في صياغةِ المعلوماتِ في كلِّ المجالات، أو في نمطية توزيعها وتصديرها للاعتماد عليها كمصدر إعلامي موثوق! نحن في القرن الواحد والعشرين ولو بدأ العربُ خطواتهم بالبحثِ والعلمِ والتكنولوجيا، لأضعفوا من دون شك كلَّ مسبباتِ الخلافاتِ السياسيَّةِ الناتجةِ عن التخلفِ العقلي والعلمي والتي يستغلها الآخرون أبشعَ استغلالٍ لإبقاءِ العربِ في المنطقةِ الرخوة!

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news