العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الامتحان المهم لهيبة الدولة العراقية

تشكل المليشيات المسلحة في العراق ما يشبه الدولة داخل الدولة، فبعد الغزو الأمريكي لهذا البلد في شهر مارس من عام 2003 وسقوط الدولة العراقية المركزية وتدمير الجيش ومختلف الأجهزة الأمنية تحول العراق إلى ساحة مفتوحة للمليشيات المسلحة ومرتع خصب للجماعات الإرهابية التي استغلت الفراغ المطلق الذي أحدثته جريمة الغزو الأمريكي فبسطت سيطرتها على مناطق شاسعة من العراق وحولت الكثير من المدن، ومنها مدينة الموصل على سبيل المثال، إلى مركز انطلاق لإقامة ما أسمته (الدولة الإسلامية)، ليس في العراق فقط، وإنما في جوار أرض الرافدين أيضا.

جميع الحكومات العراقية التي جاءت إلى قيادة البلاد بعد الغزو عانت من صعوبات جمة في مواجهة المستجدات الأمنية التي أحدثها الغزو خاصة في ظل ما يشبه الغياب التام لقوة الدولة المركزية بعد تدمير جميع أجهزة الدولة الضامنة كالجيش وأجهزة الأمن، وفي مثل هذه الأوضاع وهذا المناخ توفرت الأرضية الخصبة والصالحة لنشأة وترعرع العديد من المليشيات المسلحة ذات الانتماءات المختلفة وقويت أعوادها، خاصة أن الدولة العراقية بما تمتلكه من إمكانيات عسكرية وأمنية وجهت كل طاقاتها إلى محاربة تنظيم «داعش» الذي شكل أخطر تهديد للدولة العراقية.

مع تصاعد قوة ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» وبسط سيطرتها على مناطق شاسعة في كل من العراق وسوريا، جاهدت الحكومات العراقية المتعاقبة من أجل وقف هذا الخطر الكبير الذي يهدد العراق شعبا وأرضا، خاصة بعد النجاحات التي حققتها «داعش» عسكريا وجغرافيا، وبعد أن برهنت «داعش» على مدى وحشيتها وبشاعتها في حربها ضد من تعتبرهم خصومها السياسيين والعقائديين، فكانت الحرب ضد هذا العدو القوي والخطير عنوان انشغال جميع الحكومات العراقية وشغلها الشاغل.

وفي ظل هذا الانشغال والجهود الكبيرة التي تقوم بها مختلف الحكومات العراقية سعيا منها للتصدي للخطر الكبير الذي تمثله «داعش»، تعاظمت القوة العسكرية للعديد من المليشيات المسلحة التابعة لأحزاب سياسية عراقية محسوبة على أطراف خارجية، منها في المقدمة إيران التي احتضنت العديد من الأحزاب السياسية (الدينية) العراقية خلال حكم الرئيس الراحل صدام حسين وقدمت لها الدعم العسكري والمادي والسياسي في صراعها ضد النظام السابق، حيث وجدت إيران في هذه الأحزاب أوراقها المضمونة التي تؤمن مصالحها في الساحة العراقية.

بعض من هذه الأحزاب استمد مبرر وجوده وتسليحه الكبير من حجة حاجة العراق إلى مختلف الجهود والقوة من أجل التصدي للخطر الذي تمثله «داعش»، وكانت الحكومات العراقية في أمس الحاجة فعلا إلى كافة أشكال المؤازرة والمساعدة في حربها ضد مختلف الجماعات الإرهابية وفي مقدمتهم «داعش»، لهذا لم تكن الحكومات العراقية المتعاقبة في وارد التفكير في كيفية التعامل في ذلك الوقت ومستقبلا أيضا مع هذه المليشيات التي، مع استمرار الوقت وتعاظم قوتها، أخذت تقوم بأدوار تتناقض مع الأدوار المنوطة بالدولة للقيام بها، بل إن بعضا من هذه المليشيات نصب نفسه مكان الدولة في تحديد كيفية وطريقة التعامل مع الأطراف الدولية، الأمر الذي يهدد بتحويل العراق إلى ساحة لصراع القوى الإقليمية والدولية.

مثل هذه الحقيقة تأكدت بوضوح مع تصاعد المواجهة واشتداد الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، خاصة في عهد الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب الذي انسحب من الاتفاق النووي مع طهران وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية وتشديدها، فانتقلت حدة هذه المواجهة إلى داخل الساحة العراقية وبدأت المليشيات المدعومة من إيران في القيام بتحركات لتأكيد قوة الأوراق الإيرانية في الساحة العراقية، وكانت كل الأصابع تشير إلى مسؤولية هذه المليشيات عن بعض العمليات التي استهدفت المصالح الأمريكية في العراق.

مثل هذه التطورات رأت فيها الحكومة العراقية تحديا صريحا وتهديدا لسلطتها واستهدافا مباشرا لهيبتها السياسية والأمنية، والعسكرية كذلك، فجاءت الإجراءات الأمنية الأخيرة المتمثلة في إقدام السلطات العراقية على اعتقال مجموعة من عناصر «كتائب حزب الله» في العراق خلال مداهمة قوات جهاز مكافحة الإرهاب العراقية ورشة لتصنيع الصواريخ ومنصات إطلاقها بمنطقة الدورة في بغداد، الأمر الذي ينم عن أن الحكومة العراقية برئاسة مصطفى الكاظمي عازمة على البدء في تأكيد أهمية احترام سيادة الدولة وكسر أي خطوط حمراء تضعها القوى السياسية أو أي من المليشيات على حساب سيادة الدولة.

في ظل هذه المستجدات الأخيرة، والتي يمكن أن تتحول إلى نقلة غير مسبوقة في علاقة السلطة المركزية مع بعض الأحزاب والمليشيات، فإن العراق مقدم على تطورات أمنية لا يمكن التهوين منها، خاصة أن كتائب حزب الله في العراق هددت باستهداف رئيس الوزراء العراقي، وهو تطور خطير بلا شك ولا يصب في مصلحة الشعب العراقي الذي عانى الأمرين منذ عام 2003 حتى الآن، أضف إلى ذلك، أن مختلف القوى السياسية في العراق، وفي مقدمتها تلك التي تقود مليشيات مسلحة، مطالبة بتقديم مصالح وطنها وشعبها على مصالح الآخرين، بمن فيهم من تعتبرهم هذه الأحزاب آباءهم الروحيين والسياسيين، فمصلحة الوطن هي المعيار الوحيد للوطنية الصادقة.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news