العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

اقبلي الاعتذار وعودي إليه

طالعت إعلانا مدفوع الأجر هز وجداني في صحيفة سودانية، يتضمن اعتذارا من رجل لزوجته بعد تطليقه لها، ورأيت أن أشرككم فيما كتبته عن تلك الواقعة مخاطبا الزوجة:

أنا لا أعرفك يا سيدتي، ولكنني أعرف زوجك «سابقا». لا أعرفه معرفة شخصية، ولكن أحسب أنني أعرفه كرجل فاضل وشجاع وحبوب. رجل فلتة، اعترف أمام الملأ بأنه ظلم نفسه، قبل أن يظلمك بالانفصال عنك، وناشدك أن تعودي إلى بيتك «لتنفخي فيه الروح من جديد»، كما جاء في الاعتذار المدفوع الأجر، الذي نشرته الصحف وتناقلته الأسافير. لاحظي يا أم ر. أنه لم يقل «بيتي» أو حتى «بيتنا»، بل بيتك أنت.

عودي إلى بيتك يا أم ر. ولا تستمعي لمن يشجعونك على قدح الزناد، لتكريس القطيعة بينك وبين أبو ر. فتكون النتيجة على الطرفين الوبال والحال البطال، فقد اعتذر لك عما ارتكب من خطأ بصدق وعلى رؤوس الأشهاد، فلا تكوني المُلامة، لأن من يرفض قبول الاعتذار، الصادر من المخطئ، يقع في خطأ أفدح، وأبو ر. على مسؤوليتي رجل من صنف نادر: اتخذ قرارا بالانفصال عنك، ثم عرف قيمتك عندما اكتشف أن حياته صارت خواء بدونك، فقال بالحرف الواحد «آسف لعدم تقديري لوجودك في حياتي، التي أصبحت من بعدك بلا لون أو طعم»؛ تعرفي يا أم ر. تخاصم الحسن والحسين ابنا علي كرم الله وجهه، فقال بعضهم للحسن اذهب واعتذر للحسين، فقال ما معناه: لا، بل هو أعلى مني مكانة وأريد له أن ينال ثواب الاعتذار لي.

المهم: أبو ر. هذا رجل «مميز»، فالرجل العربي عموما يعتقد أنه لا يليق به أن يعتذر لزوجته، وحتى إذا طلق زوجته وأدرك أنه ظلم بذلك نفسه، فإنه لا يعتذر لها، بل يعطي توكيلا للوسطاء ليقولوا كلاما ملولوًا «ما تخربي بيتك يا بت الناس والراجل يريد يردك وأعطانا كلام رجال!! بأنه سيعاملك بشكل لائق».. وهل خرب معظم البيوت إلا «كلام الرجال»؟

والشاهد يا أم ر. هو أن الكلمة بما فيها «طالق»، كالطلقة إذا خرجت لا سبيل لردها أو استردادها، وما حدث لا يمكن منع حدوثه، ولهذا تم صوغ عبارة «سحب الكلام»، وهو غير «لحس الكلام»، فسحب الكلام هو الاعتذار، مع العشم في أن المستهدف بالكلام سيعتبره كأن لم يكن، في حين أن لحس الكلام قد يعني إنكار صدوره، أو التراجع عنه على نحو مهين، فإذا خرج لفظ الطلاق من فم أبو ر.، فسيظل معلقا في الأثير، ما بقيت لمن شهد خروجه ذاكرة، ولكن تلك الكلمة البغيضة إلى النفوس بلغت مسامع عائلتي أم وأبو ر. وبعض الجيران، في حين أن اعتذاره لك ومناشدته إياك أن ترديه أنت إلى «عصمتك» حرك وجدان آلاف الناس (قراء الصحف)، وبالمناسبة فقد تناقلت الاعتذار مواقع اسفيرية عربية كثيرة مصحوبا بالإشادة بأبي ر.

قرأت نص الاعتذار في فيسبوك، ووصلني عبر واتساب، ولكنني لم أتعامل معه بجدية إلا بعد أن قرأته في صحيفة «الرأي العام»، فالقاعدة في العمل الصحفي هي أن «الخبر» الوارد من 3 مصادر، شديد الموثوقية، ولكن هناك من يزعم أن الاعتذار مفبرك، بمعنى أن شخصا ما انتحل اسم أبو ر. وناشد زوجة افتراضية طلقها أن تعود إلى بيت الزوجية، وحتى لو كان هذا صحيحا، جزى الله الفاعل كل خير، لأن «الرسالة وصلت»، وليس فيها كيد بحق زبيدة أو زيد، بل – بافتراض فبركته- يقدم لنا درسا جميلا في أدب الاختلاف، والاعتذار ثم الائتلاف.

ولكنني أميل إلى تصديق أن هناك رجلا تخفى وراء اسم ابنته ر. أحس بفداحة خطأ تطليقه لزوجته، ولم يطلب منها الصفح «عشان خاطر». بل عشان خاطره هو، بمعنى أنه واثق من أن ر. في أيد أمينة، ويود هو أن يكون في تلك الأيدي، ويا ما حافظت بيوت على تماسك ظاهري «عشان خاطر العيال»، بينما الولدان الشحم والنار، وحياتهما نكد وشجار، بينما من مصلحة العيال في مثل تلك البيوت أن يتم التوصل إلى اتفاق بالتراضي ينتهي بانفصال طرفي النزاع، شريطة ألا يلجأ من تؤول إليه حضانة العيال إلى شحنهم ضد الطرف الآخر فيكبر العيال وهم يعانون من خلل عاطفي وأخلاقي.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news