العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨١ - الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤١هـ

شرق و غرب

المسألة الفلسطينية بين السياسة والقانون الدولي

الأحد ٢٨ يونيو ٢٠٢٠ - 10:47

بقلم: رينو جيرارد

في الخطاب الذي ألقاه يوم 17 مايو 2020 بعد أداء اليمين أمام الحكومة الإسرائيلية الجديدة صرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن المحكمة الجنائية الدولية قد تأذن بفتح تحقيق بشأن ارتكاب إسرائيل (جرائم حرب) معتبرا أن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تمثل (تهديدا استراتيجيا نادرا) للدولة العبرية منذ نشأتها. اعتبر نتنياهو أنه سيظل يتابع هذه المسألة (الاستراتيجية) على مدى الأشهر الثمانية عشر القادمة قبل أن يسلم المشعل لغريمه ومعارضه السابق بيني غانتز، زعيم ائتلاف أزرق أبيض. 

ما حقيقة هذا التهديد «الاستراتيجي»؟.

في شهر يناير من سنة 2015 وقعت السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، والتي تتخذ من مدينة رام الله بالضفة الغربية مقرا لها، وقعت على انضمام كيان «فلسطين» إلى معاهدة روما التي نشأت بمقتضاها المحكمة الجنائية الدولية ومقرها لاهاي بهولندا. 

التحقت فلسطين بذلك بالدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى مائة دولة أخرى طرف في المعاهدة، غير أن القائمة تظل تخلو من الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا والهند على وجه الخصوص. 

أذنت المدعية العامة لدى المحكمة الدولية، الجامبية فاتو بنسودا، من جانبها بفتح تحقيق أولي بشبهة ارتكاب إسرائيل جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة. في شهر مايو من سنة 2018 تقدم وفد فلسطيني بشكوى رسمية لدى المحكمة الجنائية الدولية يتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني، وخاصة خلال الحرب التي شنتها على قطاع غزة في صيف العام 2014. 

يعتبر هذا الملف خطيرا وحساسا من الناحية السياسية لأنه قد يفضي إلى إصدار مذكرات اعتقال ضد أعضاء النخبة السياسية والعسكرية في إسرائيل، علما أنه يحق للمدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرات اعتقال سرية، وأن دول الاتحاد الأوروبي ملزمة بتنفيذها باعتبارها من الدول الأطراف في معاهدة روما. 

كانت المدعية العامة فاتو بنسودا تدرك بلا شك حساسية هذه المسألة. في يوم 20 ديسمبر 2019 أقدمت على خطوة غريبة حيث أنها طلبت من قضاة المحكمة الجنائية الدولية أن يصدروا قرارا فقهيا قانونيا يؤكد أنها مخولة بالبت في جرائم الحرب التي قد تكون إسرائيل ارتكبتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. 

تنص معاهدة روما على أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ينحصر في المسائل الثلاثة الآتية: 

‭}‬ إذا كان المتهم بارتكاب الجرم مواطنا لإحدى الدول الأعضاء (أو إذا قبلت دولة المتهم بمحاكمته).

‭}‬ إذا وقع الجرم المزعوم في أراضي دولة عضو في المحكمة (أو إذا سمحت الدولة التي وقع الجرم على أراضيها للمحكمة بالنظر في القضية).

‭}‬ إذا أحيلت القضية الى المحكمة من قبل مجلس الأمن، المنبثق عن منظمة الأمم المتحدة في نيويورك.

لا تعتبر إسرائيل دولة طرفا في معاهدة روما التي نشأت بمقتضاها المحكمة الجنائية الدولية سنة 2002. كذلك تطرح بعض الدوائر الإشكالية التالية: هل تعد فلسطين حقا دولة مخولة قانونيا بالتوقيع والمصادقة على معاهدة روما. 

يجيب بعض القانونيين من أصدقاء المحكمة الجنائية الدولية بالنفي في ما قدموه من آراء قانونية، ومن بينهم بعض القضاة المستقلين، مثل روبرت بادنتر، أو وزير العدل الكندي السابق إروين كوتلار، وهو نفس الموقف الذي صدر عن بعض الدول الأطراف في معاهدة روما، وخاصة منها ألمانيا وأوغندا وأستراليا. بالمقابل، لن تهب أي دولة طرف في معاهدة روما لتأييد ودعم الفرضية التي تقول أن فلسطين دولة فعلا. ينتظر أن تصدر المحكمة الجنائية الدولية قرارها النهائي بهذا الشأن عما قريب. 

في التقرير الذي رفعته في هذا الشأن والذي نشر بتاريخ 20 أبريل 2020, أكدت المدعية العامة أن الدول الأطراف في معاهدة روما لا يحق لها الطعن في وضع فلسطين كدولة لأنها لم تفعل ذلك عندما انضمت فلسطين رسميا إلى معاهدة روما سنة 2015. 

رد بعض القانونيين على رأي المدعية العامة بالقول أن صمت الدول الأطراف في معاهدة روما لا يعني اعترافا وأن القانون والعرف الدوليين ينصان على توفر بعض الشروط حتى يتم الاعتراف بوضع الدولة لأي كيان، مثل السيطرة على المساحة الجغرافية, في هذا الصدد يقول دعاة هذا الرأي القانوني الدولي أن السلطة الفلسطينية لا تسيطر على قطاع غزة الذي تتحكم فيه حركة حماس الإخوانية كما أن الجيش الإسرائيلي يسيطر على الجزء الأكبر من أراضي الضفة الغربية. 

تعتبر فرنسا أنها صوتت سنة 1967 على القرار الدولي رقم: 242, الصادر عن مجلس الأمن الدولي. وبناء عليه ظلت سلطات باريس، وعديد الدول الأخرى العضو في منظمة الأمم المتحدة، ترى أن تسوية الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين تكمن في التعايش السلمي على أرض فلسطين التاريخية، أي التي كانت تحت الانتداب البريطاني,  وهو ما يعني قيام دولة يهودية وأخرى عربية. 

في سنة 2008 تردد محمود عباس ثم رفض خطة تقسيم مع إسرائيل «تلبي أغلب المطالب الفلسطينية المتعلقة بالأرض». طالب محمود عباس على وجه الخصوص بعودة عدد أكبر من اللاجئين الفلسطينيين المهجرين في خضم حرب 1948. علما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت كان قد قبل بعودة 5000 لاجئ فلسطيني فقط. 

كانت تلك فرصة سانحة لتسوية الصراع رغم العيوب التي شابت تلك الخطة. مع الأسف فإنه لا يمكن اليوم للمحكمة الجنائية الدولية أن تعالج الأمر، ذلك أن تسوية الصراع بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية مسألة سياسية يجب التوصل إليها عبر المفاوضات قبل إحالتها إلى منظمة الأمم المتحدة، والتي تعتبر المؤسسة الدولية الوحيدة المخولة بالقبول بفلسطين كدولة مثل سائر الأمم الأخرى. يكفي أن يصوت ثلثا الدول الأعضاء في الجمعية العامة على اقتراح يحيله مجلس الأمن الدولي في هذا الشأن. أما المحكمة الجنائية الدولية فإن دورها يتمثل في تطبيق القانون الدولي لا تأسيسه. هذا ما دعا البعض إلى القول بأن المسار القانوني لن يتقدم بالتسوية بين إسرائيل والفلسطينيين قيد أنملة. يكفي القول أن الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على تقويض وعرقلة هذا المسار القانوني لفترة طيلة وبشتى الطرق. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news