العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

المال و الاقتصاد

في ظل «كوفيد-19» وما بعده .. الاقتصاد بين مطرقة الركود وسندان الدين العام

بقلم: د. أنيس الخياطي

السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٠ - 20:49

تعدُّ مشكلةُ ارتفاعِ الدينِ العام من أهم المشكلات الاقتصادية، إذ إن نسبة الدين من الناتج المحلي الإجمالي بلغت مستويات مرتفعة في السنوات الأخيرة.

نظريا، يمكن للمديونية أن تشكل كابحًا للنمو الاقتصادي السريع، إذ إن مكافحة ارتفاع الدين العام تقتضي تبني سياسة مالية تقشفية «أو انكماشية» تشمل خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب. 

في ظل أوضاع اقتصادية طبيعية، قد لا يكون الأمر مدعاة إلى قلق كبير. لكن الأزمة الناتجة عن تفشي فيروس كوفيد-19. أدت إلى تداعيات أخرى على اقتصاديات أغلب الدول، ومن بينها البحرين. من أهم هذه التداعيات حدوث انكماش اقتصادي وصعوبات مالية طالت الأفراد والمؤسسات. على عكس مشكلة الدين العام، تقتضي مكافحة الانكماش الاقتصادي تبني سياسة مالية توسعية من خلال ارتفاع الإنفاق الحكومي والاستقرار الضريبي إلى حين خروج الاقتصاد من الأزمة. 

في هذا الإطار، يظهر الجدل القائم: هل يجب تبني سياسة مالية توسعية أم انكماشية؟ هل يجب دعم النمو للخروج من الركود أم معالجة الدين العام؟

الجواب ليس بسيطًا، فهو ربما قد يعكس توجهات وآراء اقتصادية معيارية أكثر من أن يكون معادلة اقتصادية. 

يرى مجموعة من الاقتصاديين «داعمي النمو» أن الركود الاقتصادي هو المعضلة الرئيسية. بالنسبة إليهم، فإن الركود يجعل الاقتصاد يغرق، والبطالة ترتفع، والمرتبات تنخفض، والبؤس ينتشر. فالطلب على السلع والخدمات سوف يتناقص أو يميل إلى الانخفاض. هذا التباطؤ في الاستهلاك من ناحية الطلب يقابله تباطؤ في الاستثمار الخاص من ناحية العرض، ما ينعكس سلبا على الناتج المحلي الإجمالي. لذلك، فإن السياسة المالية التوسعية ممثلة في زيادة الإنفاق العام وعدم رفع الضرائب من شأنها تحفيز الطلب والعرض وخلق الوظائف وتوليد عائدات ضريبية للحكومات في مرحلة لاحقة. فإذا ما بقيت الحكومات دون حراك، فإن الركود سوف يتفاقم ويمتد إلى فترة أطول، ويتجه الاقتصاد تدريجيا نحو الكساد. نجد في هذا المعسكر تيار الكينيزيين الجدد أمثال بول كروغمان وجوزيف ستيغليتز. 

لكن ماذا إذا أعطيت الأولوية المطلقة لمقاومة الركود، وامتد ذلك إلى سنوات قادمة، فالأكيد أن الدين العام سيصل إلى مستويات قياسية وغير مقبولة على الإطلاق. سيكون الأمر أشبه بإعطاء مسكنات لجسم ينخره المرض!

في المقابل، لا يعتقد الليبراليون الجدد في فعالية اللجوء إلى الإنفاق العام، ويعتبرون أنه من غير المناسب القيام بضخ جديد للإنفاق العام من قبل الدول المثقلة بالديون بالفعل. فهم أصلا يريدون تخفيض دور الدولة إلى الحد الأدنى، وحصره في أجهزة قانونية وتنفيذية قادرة على ضمان الملكية الخاصة والدفاع عن البلاد. هم يعتقدون أنه لا يمكن الخروج من أزمة اقتصادية بمزيد من الديون. في هذا الإطار، يعتبر ميلتون فريدمان أن ما تنفقه الحكومة هو الضريبة الحقيقية على الأفراد، والتي تأتي إما في شكل مباشر كالضرائب والرسوم، أو غير مباشر كالتضخم وفوائد القروض. إذن يجب على الدولة وضع القدم على دواسة الفرامل على الفور وبدء الانسحاب من المشهد الاقتصادي قبل أن ينفجر الوضع. 

لكن علينا أن نتخيل ماذا يمكن أن يحدث في حالة الإحجام عن الإنفاق الحكومي في فترة ركود كهذه، والقيام بخصخصة سريعة لقطاعات صناعية حيوية بالإضافة إلى الرعاية الصحية والتعليم! 

وهناك أيضا الوسطيون الساعون إلى تحقيق المعادلة الصعبة والدقيقة. يتم ذلك بالتوازي من خلال تحفيز الاقتصاد ووضع موازنة تطمئن الأسواق والمصنفين الائتمانيين. قد يبدو ذلك ضربا من ضروب الانفصام العقلي، ولكنه ممكن بالفعل. وبيان ذلك أن عنصري السياسة المالية، الإنفاق الحكومي والضرائب، لا بد أن يأخذا طابعا متزنا ومختلفا. 

من ذلك إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي لضمان كفاءته وتجويده، بما يسمح بزيادة الإنفاق الاستثماري القادر على الإسهام في تحقيق النمو وإيجاد فرص عمل حقيقية، وبما يسمح بزيادة الإنفاق المخصص لتطوير الخدمات العامة، واستكمال المشروعات الكبرى لتطوير البنية الأساسية. هذا بالإضافة إلى زيادة الاستثمار في رأس المال البشري من خلال زيادة الإنفاق المخصص للتعليم والصحة والبحث العلمي. وبالتوازي مع تجويد الإنفاق، يتطلب ضبط الدين العام إجراء المزيد من الإجراءات لتهيئة بيئة العمل والأعمال وتمكين القطاع الخاص تدريجيا من قيادة قاطرة النمو الاقتصادي.

أما موضوع الضرائب، فقد يكون الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة. إذ لا مناص من طرح موضوع ضريبة الدخل على ذوي الدخول المرتفعة ودعم الضرائب التصاعدية. صحيح أن أصحاب الدخول المرتفعة يدفعون بالفعل جزءًا كبيرًا من الضرائب وأنهم لا يستطيعون وحدهم دفع جميع نفقات الدولة، ولكن سيتعين على جميع المواطنين تقديم تضحيات كبيرة في السنوات القادمة. وإلى حين تحقيق الاستقرار وإحياء المحرك الاقتصادي، يجب إعطاء الانطباع بأن الجميع يقوم بدوره الأقصى. في حالة تغير الظروف وعودة الاستقرار، سيكون أصحاب الدخول المرتفعة أهم المستفيدين من إحياء الوضع الاقتصادي. المسألة الآن أصبحت متعلقة بإيجاد طوق للنجاة من انهيار اقتصادي لا يهدد فقط البحرين، ولكن معظم اقتصاديات العالم.

أستاذ مساعد في قسم الاقتصاد والتمويل بكلية إدارة الأعمال - جامعة البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news