العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

كن محسنًا

في الحديث المشهور الذي رواه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سأل جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان: ما الإحسان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك». هذه الإجابة النبوية العظيمة تؤسس لجهاز الرقابة الذاتية عند المؤمن، وهو جهاز لا يمكن شراؤه بثمن بخس دراهم معدودة، ولا يمكن التأثير عليه بالتهديد والوعيد، فالمؤمن الذي يستشعر دائمًا معية الله تعالى التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر في قوله: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» رواه الترمذي وقال: حديث حسن عن ابي ذر جندب بن جنادة وأبي عبدالرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما. إذًا، فلا يكون المؤمن محسنًا ما لم يجعل له من رقابة الله تعالى التي لا تغيب حصنًا يأوي إليه، وسلامًا يواجه به المحن والخطوب، وحين يجعل لكل سيئة تصدر منه حسنة تمحها وعملاً طيبًا يجبر ما بدر منه من معاصي، عندها يكون المؤمن في مأمن، وفي حرز من أن تتمكن منه المعاصي، ويستكين لهمزات الشياطين، ويسلم من قيادة لنفسه الأمارة بالسوء ولنفسه الفاجرة.

وحين يكون معنى الإحسان هو رقابة العبد لمولاه سبحانه، وتتبع ما يصدر عنه من سيئات ويتبعها بحسنات أيًا كان قدرها ونوعها. من هنا صار الإحسان الإحساس الدائم والمستمر لمعية الله تعالى، والخشية من عذابه والطمع في مغفرته وعطائه، وهذا من حسن ظن العبد بمولاه سبحانه إذًا، فيستطيع المؤمن أن يكون محسنًا بأي وجه من الوجوه، وأن يبذل قصارى جهده، وغاية وسعه في تتبع هفواته ومواجهتها بعمل الطاعات. ويجب ألا يفت في عضده، وألا يستهين بأي عمل خير وإن كان صغيرًا، فدرهم واحد سبق مائة ألف درهم، وشربة ماء لكلب عقور غفر الله تعالى بسببها لامرأة بغي، وقد حبب الرسول صلى الله عليه وسلم لنا الإنفاق ولو كان قليلاً حين قال: تصدقوا ولو بشق تمرة، واتقوا النار بشق تمرة، بل جعل في بضع أحدنا صدقة، قال صلى الله عليه وسلم: «في بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيه أجر؟ فقال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه فيه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر. أخرجه ابن حبان في صحيحه.

وحتى يكون المسلم محسنًا فعليه أن يأتي بمحاسن الأخلاق، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشير إلى هدف الرسالة وغايتها الشريفة: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» رواه أبو هريرة رضي الله عنه وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

من أجل هذا فعلى المسلم أن يأتي بفضائل الأعمال، ومحاسن الأخلاق حتى يصير من المحسنين، وهذا يتطلب أن يحسن في كل عمل يقوم به، ويبلغ به درجة الكمال أو قريبًا منها فإن الله تعالى يحب من العبد أن يحسن وأن يبذل في سعيه وفي عمله غاية الجهد، حتى يتميز المسلم عن غيره من الناس، وألا يكتفي بمجرد الأداء أو القيام بالواجب. لهذا جعل الإسلام لكل عبادة يؤديها المسلم ضمان جودة، فالصلاة جودتها الخشوع، والصيام بلوغ التقوى، والزكاة التطهير والتزكية ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم وهكذا بقية الطاعات.

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news