العدد : ١٥٤٨٤ - الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٤ - الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤١هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

الطريق إلى «صفقة قرن» بين أمريكا وإيران -1

 

مـن حـافـة الهـاويـة إلـى التهـدئـة

رسالة أمريكية لإيران: تحالفنا مع السعودية ليس مقدسا

لماذا يستدعي خامنئي اليوم الصلح بين الإمام الحسن ومعاوية؟

صفقة تبادل الأسرى بروفة لمفاوضات أوسع وصفقة أكبر


في الفترة القليلة الماضية، أصبحت هذه القضية مطروحة بإلحاح في كتابات المحللين والباحثين المعنيين بشئون المنطقة وموضعا للاجتهاد والتوقعات. نعني قضية احتمالات أن تدخل أمريكا وإيران في مفاوضات يمكن أن تفضي إلى التوصل إلى صفقة جديدة بين البلدين. بعض التحليلات أطلقت على هذه الصفقة في حال التوصل إليها «صفقة قرن»، على اعتبار أنها لو حدثت فسوف تمثل تحولا هائلا ليس في علاقات البلدين فقط، وإنما في تاريخ المنطقة كلها.

لكن ما الذي جعل هذا الجدل مطروحا بهذا الشكل وموضعا للتوقعات؟

السبب الأول: أن هناك شواهد ومؤشرات مما يجري في الفترة الماضية تشير إلى هذا الاحتمال. نعني شواهد من مواقف أمريكا وإيران المعلنة، ومن بعض الخطوات والإجراءات العملية التي شهدتها المنطقة.

والسبب الثاني: أن حسابات المصالح سواء من جانب أمريكا أو إيران الآن وفي المستقبل المنظور ترجح هذا الاحتمال؛ أي ترجح احتمال الدخول في مفاوضات للوصول إلى اتفاق. هذا وفق أي قراءة تحليلية لهذه الحسابات.

والسبب الثالث: أنه بحكم متابعاتي، فإن القراءة الموضوعية من جانب كثير من الخبراء والمحللين للأوضاع في أمريكا وإيران وفي المنطقة عموما ومستقبلها ترجح أيضا هذا الاحتمال. ولدى هؤلاء المحللين والخبراء الكثير مما يقولونه في هذا الصدد.

في كل الأحوال، لسنا بحاجة إلى القول بأن القضية برمتها تهم الدول العربية، وبالأخص دول الخليج العربية. هي لا تهمها فقط، بل إن لها أهمية حاسمة خطيرة، إذ لو صح أن أمريكا وإيران متجهتان إلى عقد مثل هذه الصفقة، فسيكون هذا انقلابا استراتيجيا بكل معنى الكلمة، وله تأثيرات عميقة بعيدة المدى.

لهذا، رأينا أن من المهم جدا أن نحاول في هذه المقالات مناقشة القضية من جميع جوانبها.

‭}}}‬

خطاب التهدئة

في الفترة الماضية، تابعنا الكثير من الشواهد العملية التي تشير ليس بالضرورة إلى التوجه مباشرة إلى الدخول في مفاوضات وعقد صفقة بين أمريكا وإيران، وإنما على الأقل إلى التهدئة، وإبداء عدم الممانعة في التفاوض ودخول مرحلة جديدة.

هذه الشواهد تمثلت سواء في المواقف المعلنة من جانب المسئولين الأمريكيين والإيرانيين، أو في عدد من الخطوات والإجراءات العملية المحددة التي شهدتها منطقتنا فعلا.

ونستطيع أن نحدد هذه الشواهد على النحو التالي:

أولا: التهدئة في الخطاب العام.

المتابع لتصريحات ومواقف المسئولين الأمريكيين والإيرانيين في الفترة الماضية، سيلاحظ حتما أن هناك توجها عاما للتهدئة وعدم التصعيد من الجانبين.

على الرغم من أن الجانبين يتمسكان في التصريحات العلنية بالمواقف التقليدية المعروفة إزاء الطرف الآخر، فإن حدة الخطاب تراجعت كثيرا، كما أن المسئولين من الجانبين حريصون على إرسال بعض إشارات تبدو تصالحية أو على الأقل تؤشر إلى قدر من حسن النية والاستعداد لتغير محتمل.

إدارة ترامب مثلا، على الرغم من استمرار سياستها بتشديد العقوبات على إيران وممارسة ما تسميه الضغوط القصوى على النظام، فإن تصريحات المسئولين في الفترة الماضية تراجعت كثيرا في حدتها. ومن الملاحظ مثلا حرص المسئولين الأمريكيين على التأكيد في كل تصريح أن الهدف من هذه العقوبات والضغوط هو دفع إيران إلى الجلوس على مائدة التفاوض.

أيضا، نلاحظ نفس التوجه بالنسبة إلى المسئولين الإيرانيين عموما. وهو تراجع حدة الانتقادات الموجهة إلى الإدارة الأمريكية، حتى ان وزير الخارجية ظريف كانت له تصريحات ملفتة قال فيها ان الرئيس ترامب موقفه قوي ولديه فرصة كبيرة للفوز في الانتخابات القادمة.

‭}}}‬

رسالة أمريكية لإيران

ثانيا: الأهم من هذا التغير في الخطاب العام الأمريكي والإيراني، هو أن الفترة الماضية شهدت عدة خطوات عملية قد تقود إلى فتح باب التفاوض أو على الأقل تؤشر إلى النية للسير في هذا الطريق.

أول وأهم هذه الخطوات قرار الإدارة الأمريكية الذي نفذته فعلا بسحب بطاريات صواريخ باتريوت ومقاتلات حربية وجنود من السعودية.

سبق أن كتبت عن مغزى هذا القرار، لكن الأمر الذي كان ملفتا جدا هو حرص الإدارة الأمريكية على تبرير هذا القرار بالقول بأن إيران لم تعد تشكل تهديدا للمصالح الأمريكية في المنطقة.

كان بمقدور الإدارة الأمريكية أن تقدم أي تبرير آخر لقرارها، كالقول مثلا إنه جاء لخفض النفقات، أو ان الفترة المتفق عليها لبقاء البطاريات والمقاتلات والجنود انتهت، أو أي شيء آخر.

لكن من الواضح أن الإدارة الأمريكية أرادت أن يكون التبرير الذي قدمته للقرار بمثابة رسالة مباشرة إلى النظام الإيراني.

الرسالة هنا واضحة، وهي أن الإدارة الأمريكية على استعداد لأن تغير مفهومها الاستراتيجي لطبيعة الخطر الإيراني في المنطقة بما يترتب على ذلك حتما من تغير في السياسات والإجراءات المتخذة ضد إيران.

والرسالة أيضا ان التحالف الأمريكي السعودي ليس تحالفا مقدسا، وان الإدارة الأمريكية مستعدة في أي وقت للتخلي عن التزاماتها بموجب هذا التحالف، وبالأخص الالتزامات التي قد تفهم إيران أنها تستهدفها.

‭}}}‬

صفقة الأسرى

ثالثا: التطور العملي المهم الآخر يتعلق بصفقة تبادل الأسرى التي تمت بين أمريكا وإيران.

معروف ان عملية تبادل أسرى تمت بين البلدين عبر مفاوضات سرية جرت، أيا كانت طبيعة هذه المفاوضات، وهو أمر لم يتضح بعد.

الملفت هنا أن الإدارة الأمريكية كانت حريصة جدا على تأكيد ان صفقة تبادل الأسرى هذه من الممكن أن تكون مقدمة لمفاوضات أكبر وأوسع حول مختلف قضايا العلاقات بين البلدين، وأن هذا أمر ممكن.

الرئيس ترامب بنفسه كان حريصا على ان يؤكد هذا وان ينتهز فرصة تبادل الأسرى لدعوة إيران للتوصل إلى صفقة الآن. قال مغردا موجها كلامه الى الإيرانيين: «لا تنتظروا حتى انتهاء الانتخابات للتوصل إلى اتفاق كبير. سوف أفوز بالانتخابات. يمكن التوصل إلى اتفاق أفضل الآن».

نفس الشيء فعله براين هوك الممثل الأمريكي الخاص لإيران. على الرغم من خطابه المتشدد تجاه إيران كان حريصا بدوره على ان يؤكد ان صفقة تبادل الأسرى يمكن ان تفتح الباب إلى تفاوض للتوصل إلى اتفاق أوسع».. ولم يكتف بهذا، بل لوح لإيران بمنافع كبرى إن هي قبلت ذلك، إذ قال: «إن التوصل إلى صفقة أكبر من شأنه رفع العقوبات وإقامة علاقات دبلوماسية بالإضافة إلى منافع أخرى». وأضاف: إن إيران أمامها خياران: «إما المجيء إلى الطاولة، وإما أن تشقى باقتصادها المنهار».

إذن صفقة تبادل الأسرى هي بحد ذاتها فتحت بابا للتفاوض بين أمريكا وإيران، ومن الممكن أن تصبح مقدمة لتفاوض أوسع حول صفقة كبرى.

الملفت هنا أيضا أن محللين إيرانيين كثيرين دعوا النظام الإيراني إلى استغلال فرصة تبادل الأسرى لتفتح أبواب التفاوض مع أمريكا. وسنعود إلى هذا الجانب لاحقا.

‭}}}‬

غزل في العراق

رابعا: ومن أهم هذه التطورات ما يتعلق بما يجري في العراق، وخصوصا الحوار الاستراتيجي الذي جرى بين أمريكا والعراق.

بداية، هناك شبه اتفاق في أوساط المحللين على ان هذا الحوار ليس بعيدا أبدا عن إيران، وإنه يندرج في إطار شكل من أشكال التفاهم العام بين أمريكا وإيران حول الموقف مما يجري على الساحة العراقية.

وهذا صحيح، وخصوصا ان الحوار سبقته عدة مؤشرات تدل على بوادر تهدئة من جانب إيران في مواجهة أمريكا على الساحة العراقية.

من أكبر هذه البوادر اختيار الكاظمي رئيسا لوزراء العراق. الاحتمال الأرجح هنا أن هذا الاختيار تم بالذات بعد موافقة إيران، وخاصة في ضوء الانتقادات الحادة التي وجهها عملاء إيران في العراق إلى الكاظمي، والتي وصلت إلى حد اتهامه بالعمالة لأمريكا.

وهناك من يذهب إلى أبعد من هذا ويعتبر أن اختيار الكاظمي ما كان ليتم لولا ان محادثات سرية جرت بشكل أو بآخر بين أمريكا وإيران أفضت إلى التوافق حوله.

أيضا من هذه المؤشرات والبوادر، ما لاحظناه في الفترة الماضية من تراجع حدة موقف النظام الإيراني فيما يتعلق بالقوى والجماعات الشيعية العميلة في العراق التي يضمها الحشد الشيعي.

لاحظنا الخفوت الشديد للخطاب الإيراني في إعلان الدعم لهذه القوى والجماعات. ولاحظنا أيضا التلميح إلى تشجيع هذه الجماعات على الانخراط في الجيش العراقي لإعطاء الانطباع بأنها تحت سيطرة الدولة، ولا تتصرف كجماعات مارقة عن السلطة العراقية وتأتمر بأمر إيران.

يرتبط بهذا اننا نلاحظ توقف المسئولين الإيرانيين عن ترديد خطابهم المطالب بالرحيل الفوري للقوات الأمريكية من العراق وإنهاء وجودها العسكري.

طبعا كل هذا غير صحيح ولا يعكس حقيقة الموقف الإيراني، لكن من الواضح ان المقصود من هذه الإشارات إعطاء الانطباع لأمريكا بأن إيران مستعدة لإبداء المرونة في الموقف من سيطرتها عل الساحة العراقية.

وقد قرأت النص الانجليزي للبيان المشترك الأمريكي العراقي الذي صدر عن الحوار الاستراتيجي، ولاحظت انه لا يتضمن أي إشارة على الإطلاق إلى الوجود والنفوذ الإيراني في العراق أو أي مطالبة بإنهائه على الرغم من أن أمريكا لطالما اعتبرت ان هذه قضية حاسمة. في نفس الوقت، كان المسئولون الأمريكيون حريصين على تأكيد ان أمريكا لا تريد قوات عسكرية دائمة في العراق، وانها ستسحب قواتها، بحسب المتفق عليه.. وهكذا.

نص البيان الذي صدر وتصريحات المسئولين الأمريكيين تبدو كإشارة لاسترضاء إيران، ولإبلاغها بأن أمريكا لن تبقى في العراق إلى الأبد، وأنها من الممكن في سياق معين أن تصمت عن الوجود الإيراني في العراق.

كما نرى، ما يجري على ساحة العراق بهذه المواقف والتصريحات أشبه بغزل أمريكي إيراني.

وبالحديث عن العراق وما يجري فيه في السياق الذي نتحدث عنه، لا ينفصل هذا عن التطورات الجارية في سوريا أيضا. في الفترة الماضية، خرجت تصريحات كثيرة عن مسئولين أمريكيين، وإسرائيليين أيضا، تشير إلى تقدم فيما يتعلق بالوجود الإيراني في سوريا، وأحاديث عن استعدادات إيرانية للانسحاب، أو على الأقل إعادة نشر قواتها في سوريا بحيث لا تشكل تهديدا لإسرائيل. مثل هذه الأحاديث ليست جزافا بالتأكيد، وإنما هي نتاج اتصالات جرت مع الجانب الإيراني.

‭}}}‬

إشارات المرشد الإيراني

خامسا: يرتبط اشد الارتباط بالقضية والسياق الذي نتحدث عنه تلك الإشارات التي صدرت عن المرشد الإيراني علي خامنئي، والتي فهمها كثير من المحللين على أنها إشارات على إبداء المرونة فيما يتعلق باحتمال إجراء مفاوضات مع أمريكا.

يتعلق الحديث هنا بصفة خاصة بما غرد به خامنئي على حسابه الفارسي بـ«تويتر»، بمناسبة مولد الإمام الحسن بن علي، مستخدما عبارات تمجد صلح الحسن مع الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان. إذ قال في تغريدته: «أعتقد أن الإمام الحسن المجتبى هو أشجع شخص في تاريخ الإسلام، حيث استعد للتضحية بنفسه وباسمه بين أصحابه والمقربين منه، في سبيل المصلحة الحقيقية، فخضع للصلح، حتى يتمكن من صون الإسلام وحماية القرآن وتوجيه الأجيال القادمة في التاريخ في وقتها».

هذه التغريدة فهمها كثير من المحللين على انها بمثابة إبداء الاستعداد لإعطاء الضوء الأخضر للمفاوضات مع أمريكا والتوصل إلى صفقة معها. واستعاد المحللون هنا ما سبق أن فعله خامنئي عام 2013 عندما تحدث عن «المرونة الشجاعة» وكان هذا تمهيدا لمفاوضات التوصل إلى اتفاق نووي عبر المفاوضات مع إدارة أوباما. 

 أتفق تماما مع ما ذهب إليه المحللون في قراءتهم لتغريدة خامنئي، بل أذهب إلى أبعد من هذا وأقول إنها لم تأت عبثا أبدا، بل هي في جانب أساسي منها تلبية لأحد المطالب الأمريكية.

المسألة هنا أن المسئولين الأمريكيين لديهم قناعة راسخة وعن حق بأن أي قرار للتفاوض، أو أي تغيير في المواقف أو السياسات الإيرانية لا يمكن أن يحدث أو تكون له أي مصداقية ما لم يحظ بالموافقة المباشرة من المرشد شخصيا.

من هنا بالذات تنبع الأهمية البالغة لموقف خامنئي.

‭}}}‬

هذه هي الشواهد العامة التي رصدناها في المواقف الأمريكية والإيرانية المعلنة في الفترة الماضية، وفي بعض الخطوات والتطورات العملية التي شهدتها المنطقة.

ماذا تعني بالضبط إذا تأملناها مجتمعة؟

تعني أمرين محددين:

الأول: أن هناك توجها واضحا من البلدين إلى التهدئة.

بعبارة أدق، هناك انتقال من حافة الهاوية إلى التهدئة؛ أي انتقال من المرحلة التي تفاقم فيها الصراع وتصاعدت التهديدات المتبادلة من الجانبين بالتصعيد حتى الدخول في مواجهة عسكرية الى مرحلة التهدئة والبعد عن حافة الهاوية هذه.

والثاني: أن هذه التهدئة من الوارد جدا أن يكون المقصود بها التمهيد إلى مرحلة أخرى هي الدخول في مفاوضات مباشرة بين الجانبين أيا كانت طبيعة هذه المفاوضات بهدف الوصول إلى صفقة.

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news