العدد : ١٥٤٧٨ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٨ - السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الثقافي

تشـذيب الضـمير من إنسـانيته
قراءة تحليلية في رواية (الكومبارس) لحيدر الأسدي

السبت ٢٠ يونيو ٢٠٢٠ - 10:18

كتب: أحمد طه حاجو

تعد رواية (الكومبارس) للكاتب والناقد والاكاديمي العراقي حيدر الاسدي من الروايات الواقعية الصرفة، أي إنها انبثقت من نبض الواقع العراقي وما يعانيه من مآسٍ باتت هاجسًا يؤرق الأغلبية الصامتة، فتتلخص حدودتها حول حياة شاب يدعى (صائب) وهو بطل الرواية وشابة تدعى (سماح) وهي بطلة الرواية، يتعرف عليها بعد رحلة من المعاناة والجهد ويرتبط بها في علاقة تنتهي نهاية مأساوية وهي الموت، إذ انه ينتحر وهي أيضًا تنتحر، وتتجه ابنتهما إلى طريق الرذيلة، فلا توجد غرابة أو مغايرة في حياة وأحداث الرواية، لأن القارئ سيشعر انه يعيشها وهي قريبة من حياته اليومية.

إذ أن صائب هو أنموذج للشاب العراقي المحطم الطموح، والذي يحلم ويطمح في كثير من الطموحات، لكن سرعان ما يدرك الحقيقة المرة التي تصدمه شيئًا فشيئًا، فصائب شاب جامعي يطمح في حياة كريمة ويتمنى ان يعيش قصة حب رومانسية وبحث عن ذلك بالفعل لكن الأقدار لم توصله لبر الأمان، فالحياة كانت صادقة معه إلى درجة الصدمة أي إنها كشفت له عن الحقائق كما هي ولم تجامله، فهو شاب مشرد يسكن فترة من الزمن في بيت (آمال) وهو بيت للبغاء فيرى الغانيات ويعايشهن ثم يعمل مدرسا في مدرسة مديرها يرتاد دور البغاء ويترك العمل في المدرسة لينتقل إلى التسكع والبحث عن عمل فيتعرف على حبيبته (سماح) وتتوسط له للعمل في مرآب ويعاني الكثير من سوء معاملة المجتمع وبعض فئاته الوضيعة فيعيش حالة الحب المحرم وحياة التشرد وينتج من علاقته الغرامية ابنة اسمها (سراب) ليكتشف بأن المتسول الذي تبرع بالدم لعملية الولادة هو مصاب في السرطان فيقدم على الانتحار برمي نفسه أمام قطار وتنتحر أيضًا (سماح) لإحساسها بالعجز من الاستمرار في الحياة، وتعيش سراب في بيت صديقة لأمها ويتخلون عنها لتعيد الكرة وتعمل في بيت البغاء عند (آمال).

إن قصة الرواية تكاد تكون مألوفة لكن حيدر الاسدي قد استخدم آلية تحتسب له، أي انه لم يستخدم الطريقة السردية الروائية في سبك الأحداث والمواقف بل إن الأحداث كانت معدودة، لكنه عمل على التحليل والنقد لجميع المواقف التي يمر بها البطل والبطلة، فهو يصف بدقة متناهية تصل إلى الإسهاب، ينتقد ويحلل وقد وضع الرموز ودلالاتها التي لا تخلو من النقد السياسي والاجتماعي الذي يعيشه الواقع العراقي. 

كما انه عمل على وضع متغيرات في حياة (صائب) وتلك المتغيرات زج عبرها المؤلف أفكارا له ومعالجاته للواقع، إذ إن كل متغير له واقعه وطبيعته وغالبًا ما تكون سلبية وفي حاجة لإصلاح، وهنا كانت الإشارة من ضمن سير الحدث، والذي كان يسير في بطء شديد لأن التقنية الطاغية كانت هي في معالجة وتحليل المسببات التي أدت إلى تلك السلبية.

إن الاسدي ناقش واقعًا مرًا بمنطقية متناهية لكن بأسلوب غرائبي، فهو يبالغ في الوصف ويبالغ في استعمال المصطلحات بكثافة مما أضاف عمقًا فلسفيًا للأحداث والمعالجة، فالمبالغة هي عنصر مهم من عناصر التحريض والذي يسعى إليه الاسدي في روايته من اجل انتشال ذلك الواقع من قبحه ومن تخبطه وسيره عكس التيار والمنطقية التي تعيشها الدول المجاورة، حتى في احد الأماكن في الرواية يقول في احد تحليلاته (الراحة لمن يخرج من العراق) إن هذه الجملة تعبر عن حجم المأساة التي يعيشها البلد برغم ما يعوم عليه من خيرات وبترول. كما إن الرواية احتوت على حبكات ثانوية عديدة مرّر الاسدي من خلالها رؤيته الإصلاحية عبر إبراز المساوئ مثل بيت البغاء والفتيات وأسباب مجيئهم له وكيف ومن المسبب وراء ذلك، إلا انه لم ينتقد أحدًا بل قد بين من خلال الرواية الواقع والقدر وكيف يتم رسم مساره، عبر أنموذج الفتاة البريئة (سراب) ويمكن أن يستنتج القارئ لماذا تسير الأحداث بهذه الطريقة ومن المسؤول عنها، فتلك الأحداث والأقدار تثير أسئلة مثل (ألا توجد جهة ممكن أن تتبنى الأيتام بصورة جدية وليس كدورها البائس الحالي الذي لا يلبي الطموح؟) و(ألا يمكن لأحد أن يتبنى تغيير واقع المشردين والأيتام بما يحفظ كرامتهم دون المساس بشرفهم؟) إن تلك الأسئلة من شأنها أن تضع الحقائق بنصب أعين المسؤولين عن حياة ومستقبل الرعية.

ففي فترة ما من حياة (صائب) قد عمل في مقبرة لدفن الموتى وعايش بأم عينه كيف يعتاش البعض على آلام الآخرين ودفن موتاهم، إنها الجوانب المرة من حياة البعض التي توجه مسار حياتهم وتوظف تفكيرهم، بل انه الجوع وقسوة الحياة والواقعية التي أدت إلى تشذيب الضمير من إنسانيته ورقته.

كما إنها ناقشت واقع مستشفيات المجانين والفساد الإداري الذي تعاني منه تلك المستشفيات التي يزج فيها من هو لا يستحق أن يزورها ويمكث فيها، فهي تمتلك من انعدام الدقة كما تمتلك غالبية المؤسسات الإنسانية.

إن الرواية أبرزت معاناة الإنسان العراقي ولا سيما المشردين والمعوزين والطبقات المسحوقة (القاع) ورسمها الروائي الاسدي بصورة قاسية لكنها واقعية من اجل تسليط الضوء على الجانب الإنساني المغفل أو المسكوت عنه من أصحاب الرأي والقرار، كما إن هناك إرادة للبشر لكن قد تضعف يوما ما، وان لكل منا إرادته وتلك الإرادة لها قابليتها ومستواها المرتبط بالمبدأ والمعتقد وغيره من القيم التي ينتمي إليها الفرد، لكن هل هناك حد أو مستوى معين لتلك الإرادة؟ وهل هناك حد للمحافظة على ما تتبناه من قيم؟ 

إن بطلا الرواية على درجة عالية من الإنسانية لكنهما على درجة عالية من الضعف إذ إنهما رفضا حياتهما وفضلا جحيم الآخرة على جحيم الدنيا، إن تلك النهاية هي ناقوس إنذار لمن كان السبب في وصول العاشقين لتلك النهاية المأساوية، فهما أنموذج من مجتمع بدأت تزداد فيه حالات الانتحار بسبب الواقع المزري هل سنبقى صامتون؟

إن الطبقية التي ناقشتها الرواية هي المسبب الأول لجميع حالات التخلف والتدهور وانعدام الأمان لمستقبل الشباب، إذ إن هناك واقع يفرض على البعض ان يكونوا كومبارسًا وآخرين أن تكون لهم الريادة والبطولة في الحياة من خلال استغلال وسرقة قوت هؤلاء الكومبارس، منهم المعوزون والمشردون والعاهرات وآمال ومرتادي بيتها ونزلاء مستشفى المجانين والمنبطحون والساكنون المزابل والخرائب وكثير غيرهم وهم ممن يمثلون نسبة كبيرة من المعوزين والذين يعيشون شظف العيش ما هم إلا ضحايا لفئة سرقت قوتهم وملبسهم ومسكنهم وحاضرهم ومستقبلهم.

كما إن لغة الرواية كانت عالية نوعًا ما إذ إن الاسدي استخدم العديد من المصطلحات والمفردات التي أبعدت الرواية عن السهل الممتنع برغم إنها تناقش حياة البسطاء، وهذا يجعل من الرواية أداة تنبيه للفئة الواعية لأنها تخاطب فئة ليس بالبسيطة، إذ قد يبتعد عن قراءتها القارئ البسيط لأنه سيفاجئ بآلية كتابة متمازجة في الأفكار والرموز والوصف والتي تتطلب قارئا ذكيا ومتمرسا ليفكك المقصود في حينها وكي لا يهرب من تحت يده مسار الحدث.

إن لغة النقد التي وظفها الاسدي كانت بصورة غير مباشرة إذ انه كان ينتقد من خلال إبراز وتعظيم المساوئ تارة والمقارنة تارة أخرى، وهذا يضع الرواية في مصاف الروايات المدافعة عن هموم شعبها من خلال اشتغالاته الكتابية، كما إنها تحتوي على إشارات تحريضية على مسار أحداثها منذ البداية، وبرغم إنها ذكرت بعض المعالم التي تدلل على المكان مثل دجلة والفرات إلا إن مسارها الزمني والمبالغة في وصف أحداثه مع زج بعض الومضات الخيالية يضع الرواية في اكبر من مساحتها المكانية أي يمكن أن تعبر من خلال وصفها عن أكثر من بيئة وشعب، لأنها ناقشت الهم الإنساني بصورة عامة واللغة السائدة الا وهي الحرب والتي باتت الثيمة المشتركة للدول العربية في العشر سنوات الأخيرة، فالرواية تعمل على إبراز روح النهضة وتقوية الإرادة وعدم الاستسلام للواقع الذي بينت نتائجه المأساوية، حتمًا ستكون رواية مهمة للدارسين وفي مكتبة السرد العربية.

كاتب وصحفي من العراق

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news