العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

محاولات الغنوشي الزج بتونس في الملف التركي

بقلم: د. نبيل العسومي

الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٠ - 02:00

سعى الإسلامُ السياسيُّ خلالَ موجةِ ما سُمى بالربيعِ العربيِّ إلى الوصولِ إلى السلطةِ في أكثر من بلدٍ عربيِّ ضمن حراكه وخططه للسيطرةِ على السلطةِ مهما كان السبيل بما في ذلك القبول بالدخول في الانتخاباتِ والاحتكامِ إلى صناديقِ الاقتراعِ والتحالف مع بعض القوى الأخرى من أجل تحقيق المقبوليَّةِ الداخليَّةِ والخارجيَّة.

وقد تصرَّفَ التيارُ السياسيُّ التونسي خلالَ هذه الموجةِ بقدرِ من الذكاء والتدرج مستفيدًا من فشلِ الجماعاتِ الإسلاميةِ الأخرى التي وصلت إلى الحكم وارتكبت أخطاء وتجاوزات أدت في النهايةِ إلى ثوراتٍ شعبية على ما سُمى «بحكم الإخوان»، ففضل الدخول إلى الانتخابات وحصل على المركزِ الأول من دونَ الحصولِ على الأغلبيةِ ما أضطره إلى التحالف مع قوى ليبرالية ووطنية أخرى تختلف معها جذريًّا في المنظور إلى المجتمع وفي الخيارات الداخلية والخارجية بل وقبل الإسلامُ السياسي ممثلا في حركةِ النهضة التي يقودها راشدُ الغنوشي أن يكونَ في البداية جزءا من الحكومة ومع ذلك فشلت حركةُ النهضةِ سواء في الحكومة الأولى التي قادتها الحركة عن طريق رئيس وزرائها الجبالي كما فشلت في الحكومة الثانية التي قادها علي العريض واضطر إلى الاستقالة رضوخًا للضغوطات الشعبية والسياسية ولذلك فضلت بعد ذلك أن تتجنبَ أن تكونَ في الواجهةِ منذ نجاح حزب الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي نداء تونس وحصوله على المركز الأول في الانتخابات البرلمانية وعلى رئاسة الدولة وفضلت حركة النهضة أن تعمل بهدوء وترجع إلى الظل لتتحمل الحكومةُ بقيادة نداء تونس كلَّ الأعباء في دولة مرهقة واقتصاد يعاني ووجود بطالة ما يعفيها من مواجهة غضب الجماهير التي كانت تنتظر بعد الثورة مرحلةً جديدة من التقدمِ والازدهار فإذا بها تواجه أسوأ مرحلة في تاريخها منذ الاستقلال على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

في آخر انتخابات شهدتها تونس في العام الماضي استعادت حركةُ النهضةِ مركزها الأول في الانتخابات البرلمانية من دون الحصول على الأغلبية بعد مراجعة ما سُمى بالمراجعة السياسية «بفصل الدين عن السياسة» ما يعني نظريًّا الابتعادَ عن أيديولوجيا الإسلام السياسي والاعتماد على البرامجِ السياسية دون المظلة الدينية كما حاولت اتباع استيراتيجية الانفتاح منذ عام 2018 إلا أن هذا الخيارَ أظهر انقساماتٍ حادة في صفوف هذا الحزب بوجود مقاومة شرسة لأي تحول لهذا الحزب نحو حزب سياسي مدني والإبقاء عليه في إطار المنظومة الدينية وفقا لثوابتِ ومقوماتِ وبرامجِ الإسلام السياسي على النحو الإخواني.

وعلى الرغم من محاولة الظهور بمظهر الحزب المدني الذي لا يرتكز على الدين كغطاء ومحاولة للغنوشي للإيحاء بذلك في الداخل والخارج إلا أن الواقع قد أظهر بما لا يدع مجالا للشك بأن هذا الحزبَ إسلاميٌّ إخوانيٌّ لم يتغير قيد أنملة وإنه مازال يعيشُ على واقع الرؤى والمبادئ المؤسسة لهذا التيار.

أخطر من هذا أن زعيم هذه الحزب وهو السيد راشد الغنوشي مازال يتصرف كمرشدٍ ديني وسياسي ويعتبر نفسَه ويعتبره العديد من قواعد حركة النهضة مرشدًا روحيًّا يدينون له بالسمعِ والطاعة ونتيجة لفشل القوى السياسية الأخرى من اليسار والليبرالية والقوميين والدستوريين في توحيد صفوفهم تحت قيادة جبهوية موحدة أصبحت النهضة ورئيسها الغنوشي في طريق مفتوح ما دفع الغنوشي إلى التصرف في الأشهر الأخيرة وكأنه رئيسُ الدولة الماسك بكل خطوط السياسة الداخلية والخارجية وخاصة عندما زار أردوغان في تركيا هذه الزيارة التي تسببت في غضب شديد والأسوأ من ذلك إدعاؤه بأنه زار أردوغان من أجل تقديم التهاني له بمناسبة صناعة سيارة تركية جديدة فأدى ذلك إلى مساءلته في البرلمان وتعرض إلى هجوم كبير من القوى السياسية الوطنية التي ترفض أي تبعية إلى تركيا وأي تنسيق معها في المسألة الليبية والحرب الأهلية الدائرة بين الجيش الوطني ومليشيات حكومة السراح.

وما زاد الطين بِلة أن الغنوشي تجاوز مؤخرا حدود وظيفته المحددة في الدستور كرئيس للبرلمان وبدأ يتدخل في السياسة الخارجية من خلال تهنئة السراج على السيطرة على قاعدة «الوطية» فأكد صراحة العلاقة الوطيدة بين إخوان تونس وتركيا وليبيا ما أشعل النار مجددا وخلط الأوراق في اتجاه إخراج تونس من موقعها المتوازن والحيادي بين الأخوة الأعداء في ليبيا وإدخالها بشكل غير مباشر في هذا الحلف غير المعلن مع تركيا التي تعتدي اليوم على استقرار واستقلال وسيادة الشقيقة ليبيا، وتنقل الآلاف المؤلفة من المرتزقة من سوريا إلى ليبيا عبر الجسر الجوي والبواخر لتتحول ليبيا مثلما قال وزير خارجية فرنسا إلى سوريا أخرى. ومن الواضح أن الغنوشي لا يريد أن يفوِّت فرصة الالتحاق بهذا الحلف رغم كل الاحتجاجات ضده ورغم المساءلة البرلمانية الثانية لأنه لا يعبأ بذلك فالمهم عنده هو نجاح المشروع الإخواني في شمال إفريقيا لتكون ليبيا هي ساحة المعركة وتونس قاعدة خلفية ترفد هذه المعركة التي تنفذها تركيا الأردوغانية بالسلاح والمليشيات. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news