العدد : ١٥٤٤٢ - الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٢ - الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

الثقافي

صياد في غابة قاسم

السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ - 10:28

في أغلب الأحيان -وأعني بذلك الغالبية العظمى- من أفلامنا الوثائقية العربية التي تعرض عليك تجارب الأشخاص فإنه بودك أن تُختصر في ثلاث جمل هي: متى ولد؟ ومتى مات؟ وماذا أنجز؟ والبقية هوامش وبهرجات ولقطات استعراضية لا تزيدك شيئًا.

من قال إن الفيلم الوثائقي هو قواعد استاتيكية صارمة ترسم بالقلم والمسطرة، وتسحق سِير كثير من العظماء الذين هم أنفسهم لم تكن حياتهم بهذه الدقة والصرامة. كانت سيرهم حقولا من العطور التي لا تدري من أي الزوايا تأتيك روائحها الزكية، فلا ينبغي القول إن بداية الحقل من بابه الشمالي ونهايته الباب الجنوبي، ولا ينبغي أن تكون حدوده الجدران أو فواصله جداول الماء الموزعة بين طرقاته، فهذا تقسيم هندسي ممجوج الصورة، لا يزيد وصفه أن يكون تشبيها له كوصفك لمبنى مدرسة أو وزارة بالبوابة والممرات والمكاتب والفصول.

الحقل تبدأ حدوده وتنتهي في روائحه العبقة التي تنتشر في الأجواء، وفي وروده التي علقها الناس على شرفاتهم أو في مطعمها حين تتحول إلى أشربة العافية والزعفران أو العطورات التي ينتشر رذاذها بين العباد.

هكذا أفهم حياة أولئك الأفذاذ، وهكذا يجب أن تُسطر، أما البناء الهندسي الصلب لحياتهم فهو ثرثرة يجب أن تكتب في ورق وليس لها علاقة بالصورة الإعلامية المحترفة.

هذا المنطق هو المقياس الذي به قرأت فيلم (هزيع الباب الأخير) الذي يصور التجربة الشعرية الشاعرية لقاسم حداد، لم يكن فيلمًا يعنى بالمولد والنشأة وعدد المؤلفات ولا باللون المحبب لدى الشاعر ولا بالأكلة المفضلة ولا بالأمنيات ولا بالجدليات المذبوحة دراسة بين القديم والحديث في الشعر ولا بأي شيء من هذا الهذر المكرر. هذا فيلم جاء ليدرس سيرة روح التجربة بتشعباتها ومغامراتها التي لا تجزم بنتائجها، بل إنها من غير المطلوب أن تُقيم أو تُحجم صورتها في هذا الوقت المبكر، إنها تجربة المخاطرات في عالم مفخخ فيها تضحيات ودماء ولكن لا يوجد طريق غيرها عند الشاعر قاسم حداد، فالوصول إلى (جمهورية الحرية) التي ينشدها قاسم تتطلب منه أن يُثخن بجراحات ومكابدات كثيرة ولكنها محصنة بالأمل، تحتاج منه إلى أن يقطع صحراء طرفة، وأن ينحت بريشة فان جوخ وأن يهلوس أحيانا بكلمات المجنون وأن يقف على عتبات ورشة الأمل والراحة والأصالة في طرقات المحرق، يطالعنا بوجوه متعددة ثم يركب القلعة ويحتمي بالجواشن.

هل يمكن تجاوز كل هذه الدراما في توثيق تجربة قاسم!! إنها غابة من المعاني والأحداث لا يجيد التقاط حركتها إلا صياد ماهر حاذق متتبع لكل تلك الحركة، ومن غيره خالد الرويعي يستطيع أن يفعل مثل ذلك.

هذه السيرة تحتاج إلى متتبع غير اعتيادي كما هي شخصية ومكنونات عقلية قاسم حداد، وهذا الذي نتج عنه فيلم (هزيع الباب الأخير) فالفيلم يبدأ ولكنك لا تشعر بأن ثمة مقدمات وخطوات منظمة ولا طرق باب ولا استئذان، بل إنك تبدأ مباشرة في ضيافة قاسم، ليشعرك بأنك في ضيافة من لا باب لخيمته، فأنت أهل الدار كما هو في الدار، يبوح لك بلهجته المحرقية العفوية كل أسرار الفن والعلو في لغة بسيطة رقيقة ونبرة حنونة تتخللها البحة التي زادتها سني العمر ليونة وعذوبة.

سيرة قاسم المفعمة بالهدوء النفسي والمفجوعة بالصخب المعنوي تماثلها شخصية مخرج العمل خالد الرويعي الهادئة طبعا والساخنة فكرا ونشاطًا، ولذلك شاهدنا فيلما يمزج بين عمق الغابة وحذق الصياد.

ظل خالد الرويعي متتبعا بل مجربا لنصوص وأدب قاسم في تجاربه المسرحية والاحتفالية، فمنذ اللحظة التي شهدتها بنفسي لمسرحيتة (أخبار المجنون) فقد عثرت على مخرج يتقن ترجمة أفكار قاسم؛ نلحظ ذلك جليا بتأثر القاسمي بكونه يسير في أسلوب مدرسته كونه متعدد المواهب في الكتابة الصحفية والشعر والأدب، بل أحيانا حتى في محاكاة الشكل والهيئة. هكذا ظل الرويعي مخلصا لهذا الخط في العديد من الأفلام الوثائقية والدرامية كاتبا أو مخرجا وفي عروضه المسرحية وفي كتاباته التوثيقية حتى مع بقية الأدباء والنقاد عندما سجل تجربة الراحل محمد البنكي وغازي القصيبي وغيرهم في صياغة بصرية قلما يتداولها كُتاب السير في العالم العربي.

هذا رجل تلبّس صورة قاسم وأخلص لذلك اللبس، ولذا فإن سيرة تجربة قاسم في الفيلم تأتيك بروح كاميرا ومونتاج الشاعر، فتصاحبك اللقطات في سهول وهضاب ووديان وجبال قاسم عبر رحلة من الشهادات المكثفة مع أصحابه المقربين، فلم يتطفل خالد لإحضار شهادة من بعيد لا يفهم قاسم أو مسؤول يبهرج به الفيلم ويكسبه صفة الرسمية الكاذبة، لكنهم الأصحاب الخلص الذين يسمعون لقاسم ويكفيه ذلك كما أذكر أنه قال مرة -بمعنى كلامه- أنه يكفيني أن يسمع ويقرأ لي 5 من الأشخاص، وبغض النظر عن العدد هنا إلا أن تجربة قاسم -بالفعل- تحتاج إلى عدد قليل قريب صاحب فيها قاسم في تلك الرحلة المفخخة، فلا يصبر على مصاحبته إلا مؤمن بذلك الطريق ولا يلتفت ولا يتعثر، أما المتعثرون فقد خرجوا مبكرا من سيرة قاسم واتجهوا نحو طرقات بعيدة.

كانت هناك أيضا روح الدراما الغامضة التي لوّن بها الرويعي فيلمه عبر لقطات تعبيرية من تمثيل المبدعة نسرين شريف لم تكن بالشكل المنظم المنمق ولا بالمباشر المسطح، كانت صورا غامضة محيرة، وحكاية تعلقك قبل اكتمال معانيها كما هي بقية شهادات أصدقاء قاسم في الفيلم.

لن يزيد الفيلم تألقا وسمعة أن نقول إنه حصد 25 جائزة دولية أو أكثر، فقيمة هذه التحفة الفنية ليس في مادياتها وزخمها الإعلامي بقدر ما تكمن في خلود مادتها التي تشبه إلى حد كبير مواد كتابات قاسم الإنسانية العالية وبقدر ما هي حساسية مخرجها خالد الرويعي الذي كان ولا يزال يتألق في كتاباته وتوثيقاته للمبدعين.

والشكر والثناء موصول للطاقم الفني المبدع الذي حمل مع الرويعي عبء هذا التوثيق الصعب عبر التصوير والمونتاج وإدارة العمل على مدى ثلاث سنوات من التوثيق، إنه فيلم يستحق ذلك وأكثر.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news