العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

ترامب.. وفشل آخر في إدارته الاضطرابات المحلية

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ - 02:00

يعد عام 2020 عاما مضطربا بكل المقاييس في كل أنحاء العالم؛ بداية من حرائق الغابات، إلى جائحة عالمية، وانهيارات اقتصادية واسعة النطاق. وفي حين أن مثل هذه الأحداث كانت تقريبا بمثابة صدمات للعالم فإن الموجة الجديدة من الاضطرابات المحلية في الولايات المتحدة كانت ظاهرة طال أمدها، ولم تكن مفاجأة. فقد تسببت وفاة رجل أمريكي من أصل إفريقي على يد الشرطة في إثارة غضب جماعي واحتجاجات في الشوارع وأعمال شغب، حيث أظهرت مدى العنف الذي مارسته معه، وكانت هذه هي شرارة انطلاق المظاهرات الشعبية في مائة وخمسين مدينة أمريكية. وسمح عدم وجود استجابة مناسبة من قبل الحكومة لمخاوف العديد من مواطنيها للأمن الداخلي بالخروج عن السيطرة، لتصبح الأزمة أكبر موجة من الاضطرابات الاجتماعية في أمريكا منذ أكثر من خمسين عاما.

في 25 مايو 2020 أُلقي القبض على «جورج فلويد» في مدينة «مينيا بوليس»، بولاية «مينيسوتا» الأمريكية، بعد استدعاء للشرطة جراء ادعاء أنه حاول استخدام ورقة نقدية مزورة في عملية شراء، وتم القبض عليه وأوقفه أربعة ضباط، تم تصوير أحدهم عدة دقائق تتكئ ركبته بقوة على عنقه، متجاهلا مناشداته بأنه لا يستطيع التنفس حتى بعد أن غاب عن الوعي. وبعد وقت قصير من نقله إلى المستشفى أعلن وفاته.. وسرعان ما انتشرت الحادثة عبر الإنترنت، وبدأت الاحتجاجات وأعمال الشغب والاضطرابات في الانتشار من مدينة إلى أخرى، وتصاعدت الاشتباكات بين المتظاهرين والشرطة. وبحلول الأول من يونيو تم فرض حظر التجول -على الرغم من تجاهله إلى حد كبير في حوالي 40 مدينة أمريكية- وتم نشر الحرس الوطني، وهو القوات المسلحة للولايات المستخدمة فقط في أوقات الطوارئ في 15 ولاية وواشنطن. وحتى يوم الخميس 6 يونيو، ألقي القبض على ما لا يقل عن 7000 شخص.

ومع ذلك، لا تعد هذه الحادثة هي الأولى التي تدلل على وحشية الشرطة والتوترات العرقية الطويلة الأمد، فقد حدثت حالات مماثلة في السنوات السابقة، أبرزها وفاة «مايكل براون»، و«إريك جارنر»، والتي أدت أيضا إلى اضطرابات مدنية واشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين. ومع ذلك فإن الاضطرابات الناجمة عن وفاة «فلويد» لا تضاهي سوى أعمال الشغب الناتجة عن ضرب «رودني كينج» في عام 1992 في حجمها وشراستها. ويصاحب تصاعد العنف الحالي أوجه تشابه مع أمثلة سابقة للاضطراب المدني في تاريخ أمريكا الصعب مع العرقية. وعادة ما اعترت الضعف طريقة تعامل الرؤساء السابقين في معالجة مثل هذه الاضطرابات. وفي عام 1968 بذل الرئيس «ليندون جونسون»، القليل من الجهد لتخفيف التوترات عندما اندلعت الاضطرابات في 34 مدينة في أعقاب اغتيال القس مارتن لوثر كينج.

وخلال هذه الأزمة تعرضت الشرطة الأمريكية لانتقادات شديدة؛ حيث لجأت إلى استخدام القوة لتفريق وترهيب المتظاهرين؛ وذلك باستخدام الأسلحة مثل الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع والهراوات ورذاذ الفلفل. وأدت محاولات قمع الاضطرابات إلى المزيد من العنف، كما أن الهجمات السيئة على طواقم الصحفيين والمارة الأبرياء لم تهدئ الوضع. وفي مدينة «أتلانتا» تم فصل ضابطي شرطة لاستخدامهما القوة المفرطة، والتي تضمنت استخدام مسدسات الصعق ضد الطلاب. وتشير رعونة العديد من أقسام الشرطة الأمريكية إلى نقص شديد في الاحترافية وكيفية السيطرة على استعراض القوة. وعلق «إدوارد ماجواير»، من جامعة «أريزونا», على طريقة تعاملها مع المتظاهرين بقوله: «كل ما تفعله في مثل هذه المواقف يجب أن يهدف إلى تخفيف التصعيد، بينما هذا مثال مذهل حقا على التصعيد.. لا يمكنك إطلاق النار على البشر، إلا إذا كان لديك سبب وجيه للقيام بذلك».

وفي ظل هذه الموجة من الاحتجاجات ينبغي أن يكون رئيس الولايات المتحدة شخصية تجيد تهدئة الشعب، وحسم الأمور؛ لكن لدى أمريكا في الوقت الحالي قائد يبدو أنه لا يريد سوى تأجيج نيران عدم الاستقرار، كما هو واضح في العديد من الإخفاقات الدولية، والتي أظهرت مدى فشله في إظهار أي شكل من أشكال القيادة الإيجابية. وبدلا من معالجة مخاوف المتظاهرين اختار «ترامب» استخدام تويتر لتهديد المتظاهرين وحرض الشرطة والحرس الوطني عبر البلاد على الاستخدام المفرط للقوة. وفي يوم 29 مايو نشر تغريدة قال فيها: «قطاعو الطرق، المتظاهرون لن أدع أحدا منهم.. الجيش سيكون هناك طوال الوقت، وسنفرض السيطرة، ولكن عندما يبدأ النهب، يبدأ إطلاق النار». ووسم «تويتر»: التغريدة بإشارة «تمجيد العنف»، موضحًا أنها تنتهك قواعده. وأثار استخدامه لعبارة «عندما يبدأ النهب، يبدأ إطلاق النار»، جدلاً خاصًا؛ كونه أثار الخطاب الذي استخدمه قائد شرطة ميامي في عام 1967 أثناء حملة قمع عنيفة للمتظاهرين الأمريكيين الأفارقة في المدينة، كما تم استخدام العبارة أيضًا كشعار حملة من قبل حاكم ولاية ألاباما السابق العنصري جورج والاس.

وكعادته استغل «ترامب» الأزمة لمهاجمة أعدائه السياسيين، وعلى الأخص وسائل الإعلام، في محاولة لتحويل الانتباه عن كيفية تعامله معها. وفي 31 مايو غرد: «تبذل شركة لامستريم ميديا كل ما في وسعها لإثارة الكراهية والفوضى.. يعي الجميع ما يفعلونه؛ يبثون أخبارا وهمية وهم أشخاص سيئون حقًا ولديهم أجندة مرضية، يمكننا العمل والتعامل معهم بسهولة». وفي هذا الصدد قال «ديفيد سميث» في صحيفة «الجارديان»: «يمكن القول إن رئاسة ترامب كانت تقود دائمًا إلى هذه اللحظة، بمزيجها المسموم من ضعف القيادة الأخلاقية، والانقسام العنصري، والخطاب المبتذل وتآكل المعايير وفقدان الثقة في تبادل المعلومات بين المؤسسات». ووصف «دان بالز»، في «الواشنطن بوست»، ترامب: بأنه «يتخبط بدلاً من أن يُحسن توجيه دفة الأمور.. غرائزه كلها خاطئة نحو ما تواجهه البلاد». وعليه، اعتبر وزير العمل الأسبق، «روبرت رايش»، فشل ترامب كدليل على فترة رئاسته بالكامل، وأدانه بشدة بقوله: «لا يدير ترامب الحكومة.. لا يدير أي شيء.. ولا يوجه أحدا.. لا يدير أو يشرف أو يراقب.. لا يقرأ الملاحظات.. يكره الاجتماعات.. ليس لديه صبر على الإحاطات الإعلامية.. بيته الأبيض في حالة فوضى دائمة».

ويعد افتقار «ترامب» إلى القيادة أمرا مدمرا أكثر بسبب الطبيعة المتصدعة للمجتمع الأمريكي في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل. وتستدعي الطبيعة المتقلبة للعلاقات العرقية زعيمًا قادرًا على توفير تأثير مُهدئ، ولكن يبدو أنه ليس لديه اهتمام كبير للقيام بذلك. وينعكس هذا في محاولات إلقاء اللوم في الاضطرابات على الجماعات اليسارية السياسية. وفي يوم 31 مايو اتهم حركة «أنتيفا» اليسارية بتصعيد العنف في جميع أنحاء البلاد، وأعلن أنها ستصنف قريبا كمنظمة إرهابية. وقال النائب العام «ويليام بار»: إن «مجموعات من المتعصبين والمحرضين يستغلون الوضع لمواصلة تنفيذ أجندتهم العنيفة.. إن العنف يتم تخطيطه وتنظيمه وقيادته من قبل الجماعات المتطرفة والفوضوية اليسارية». ومع ذلك، كما يلاحظ «بيتر باركر»، في صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن «أنتيفا» «حركة فضفاضة من النشطاء عن كونها منظمة ذات تسلسل هرمي واضح، وبالتالي فإن حظرها لا يرقى إلى أكثر من مجرد كونه ثرثرة سياسية».

ووفقا للعديد من المحللين فإن الأزمة التي تعيشها أمريكا في الوقت الحالي تعود الى خمسة أسباب؛ اثنان منها امتداد لممارسات على مدى قرونٍ طويلة، بينما الثلاثة الأخرى متزامنة مع حقبة «ترامب». الأول: هو العنصرية البغيضة، التي رافقت الهجرة الأوروبية للقارة الأمريكية منذ مطلع القرن الخامس عشر، وعلى الرغم من إصرار الرئيس «إبراهام لينكلون» على إلغاء العبودية، وهو الأمر الذي حدث دستوريا، ولم يحدث مجتمعيا، فمشكلة العنصرية في أمريكا كانت ومازالت، «في النفوس» وليس فقط «في النصوص».

والثاني: فهو «العنف»، المتجذر في التاريخ الأمريكي، والذي رافق أيضا غزوات المهاجرين الأوروبيين لأمريكا، وصولاً إلى ما تشهده الولايات المتحدة من أعمال عنف داخلي وقتل جماعي حتى داخل المدارس والجامعات والشركات والمصانع، كما حدث عدة مرات في السنوات الماضية. وقد زاد من مخاطره التعديل الثاني في الدستور الأمريكي الذي أباح حق امتلاك الأسلحة من دون قيود صارمة ممّا سمح بوجود مليشيات مسلّحة في أكثر من ولاية أمريكية، فضلا عن أن رجال الشرطة يخضعون لدورات تدريب لأشهر محدودة فقط ويمكنهم العمل من دون حيازة شهادة جامعية، وبعض المدن الأمريكية تستعين بخبراء إسرائيليين لتدريب عناصر الشرطة لديها.

أما العناصر الثلاثة الأخرى: فهي (الفقر والبطالة وتصريحات ترامب). وكانت محصلة الأشهر الثلاثة الماضية من انتشار وباء كورونا حرمان أكثر من أربعين مليون أمريكي من العمل ممّا زاد في نسبة البطالة والفقر وحالات الجوع. أمّا تصريحات ترامب بشأن ما يحدث في أمريكا الآن فهي كمن يطفئ النيران بصبّ المزيد من الوقود عليها فهو يوما بعد يوم يزيد نيران غضب الشارع اشتعالاً، فمن تهديد بإطلاق النار على المتظاهرين إلى تحريض حكام الولايات على استخدام القوة واعتقال المتظاهرين والتهديد بإنزال الجيش للمدن، إلى قمع التجمع البشري أمام «البيت الأبيض» وهو أمر يتناقض مع ما في الدستور الأمريكي من نص على حق حرية التعبير للمواطنين بأشكال مختلفة.

على العموم، أثارت إدارة أزمة الاضطراب المدني المتأججة الآن من قبل «ترامب» الكثير من المخاوف بشأن مستقبل وحشية الشرطة والعلاقات العرقية في الولايات المتحدة، حيث فشل في إظهار القيادة المطلوبة لتخفيف التوترات واستعادة أي استقرار اجتماعي؛ وأظهر افتقارا متعمدا للقيادة الأخلاقية والذي يبرز بشكل عام خلال فترة رئاسته. وأدى هذا الوهن إلى تفاقم الوضع بالفعل. والأكثر من ذلك أن كل هذا العنف والاضطراب قد حدث خلال وقت تفشي جائحة كوفيد-19, التي أودت بحياة 110.000 أمريكي حتى الآن. وكل هذا يُدلل على مثال كارثي على إدارة الأزمات والذي لم يخدم إلا المزيد من تمزيق المجتمع في الوقت الذي يجب أن يتحد فيه للتعامل مع حالة طوارئ صحية كبرى. 

وعليه، فإن معالجة القادة السياسيين لأوقات الأزمات المحلية يجب أن تتم بعناية؛ حيث يمكن أن يؤدي التحيز بسهولة إلى تصعيد العنف، وبالتالي يضيف مستوى غير ضروري من المخاطر على الاستقرار الاجتماعي والأمن الوطني. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news