العدد : ١٥٤٤٥ - الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٥ - الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإنسان في القرآن/10

الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: عاطف الصبيحي

لننظر أثناء قراءة القرآن في التنوع الذي يخلب الألباب في الموضوع الواحد، وليس الهدف التنوع بحد ذاته، بل بطريقته الهندسية التركيبية البنائية، حتى تضعنا على قمة هرم قيمي وأخلاقي، يُشكل دستورًا أخلاقيا متينًا، تلك الهندسة البنائية يعيها ويستشعر جمالها ونظمها من يجمعها في مصفوفة، ففي المقال السابق كانت آية البحث «وما نُرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون». ووضعنا خطًا تحت «فمن آمن وأصلح»، واليوم نتناول، وتحت عنوان الأمن من الخوف والحزن، نتناول الآية «يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» 35 الأعراف، هنا استبدل الإيمان بالتقوى وأبقى على الصلاح والإصلاح كنتيجة لكل منهما.

وبالنظر إلى الآيات التي سبقت هذه الآية الكريمة، يكون قد انفرجت لنا كوّة في جدار الفهم للعلة من استخدام «اتقى» فالآيات الأربعة السابقة تحوي مجموعة من المحرمات، كالإسراف والفواحش الباطن منها والظاهر، والإثم والبغي بغير الحق، وتُوجت بالإشراك، وخُتمت بالتقول على الله، ثم يأتي النداء لبني آدم بأن الله كلّف رسلا منكم، ودلالة منكم في هذا السياق المُحمل بالمحرمات ليقول للناس أنّ الرسل لهم سيرة ذاتية ناصعة ومُشرفة في الالتزام، وإنكار ذلك غير ممكن لأنهم منكم وتعايشونهم، وقد لمستم صدق استقامتهم عيانًا، وكان آخرهم محمد الخاتم صلى الله عليه وسلم، حيث أضفوا عليه قبل البعثة من الصفات أنبلها حتى كادت تطغى على اسمه الشريف، فهل أنتم على آثارهم مقتدون بالاتقاء، وعند أول لحظة من البعثة جاء كلام خديجة التطيمني الواثق «كلا، أبشر فو الله لا يُخزيك أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق». 

ورود كلمة «يقصون عليكم» ذات دلالات دقيقة غاية في الدقة، فهي مأخوذة من القص وتستعمل في قص الأثر، ومن يقوم بقص الأثر يتتبع الأثر بدقة متناهية حتى يصل مُبتغاه، وكذلك هم الرسل يبلغون ما آتاهم من ربهم بدقة متناهية وهذا ما يسمى العصمة، ولم يستعمل الحق سبحانه «يتلون عليكم» بُغية الانسجام التام بين الرسل والمهمة الواقعة على كواهلهم.

التقوى أن تجعل بينك وبين الشيء الضار وقاية، وهي بهذا السياق تعني اتقوا مخالفة وإنكار ما جاء به الرسل الكرام، فهم الأطباء وأنتم المرضى، فمن يملك عقلاً مُفكرًا وجب عليه أن يتقي مخاطر إنكارهم وجحودهم عليهم السلام.

هذه التعليمات والتوصيات الربانية لبني آدم، جاءت لصناعة الحياة على وجه الأرض، وبناء حياة أُخرى عند المليك المُقتدر يسعى أصحاب الحِجر في بنائها سنين حياتهم كلها دون أن ينسوا نصيبهم من الدنيا، وذلك من خلال السعي الحثيث نحو إنسانية الإنسان، وأن لا نُضيع الحياة الدنيا في العيش، من يتأمل منظومة الآيات المتضمنة لـ«فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» ولا تدفعه دفعًا نحو جوهر الإنسان فعليه أن يُراجع نفسه، لأن الكثير من الناس مُكتف ومطمئن لأداء الفروض المطلوبة منه، ولعمري إن هذا الاختزال لا تكتمل معه الطمأنينة التي سطّرها الله في الكتاب الكريم «الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب»، والذِكر ذِكران ذِكر باللسان وتذكر تعليمات الله في الإنسان، في رمضان وكل الأزمان. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news