العدد : ١٥٤٨٤ - الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٤ - الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤١هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

كن وفيّا

الوفاء بالعهود والالتزام بالعقود والمواثيق خلق يحضّ عليه الإسلام ويثني على أهله، وينوه بفضلهم بين الناس، يقول تعالى: «وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون» (النحل 91).

ولقد حذر الإسلام أتباعه من التطفيف والخسران في المكاييل والأوزان، قال سبحانه وتعالى: «وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلاً» (الإسراء 35).

الدين كله المعاملات، لهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائمًا يعرف المسلم والمؤمن بما يصدر عنهما من سلوك حسن ولا يعنيه كثرة العبادة ما لم تؤثر في سلوكه العام والخاص، فالمسلم الحق هو الذي يسلم المسلمون من لسانه ويده، وهما أخطر جارحتين يملكهما الإنسان، ويسخرهما إما للخير وإما للشر، ثم عرَّف صلى الله عليه وسلم المؤمن بما يصدر عنه من أمن وأمان تجاه غيره من الناس، فما فائدة كثرة العبادة على اختلافها إذا كانت لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر؟ وما نفع الصيام مثلاً إذا كان المسلم يصوم عن الحلال ويفطر على الحرام؟! فمن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه الحلال وشرابه.

وكذلك باقي الطاعات، فإن من بشائر قبول الطاعة، ومن علامات صحتها أنها تحقق الثمرة منها، فالصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر شجرة بلا ثمر!!

لهذا أفهم قوله تعالى: «الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب» (البقرة 197). إني أفهم هذه الآية أن على من عزم على الحج وأداء هذا الركن العظيم أن يدخل في دورة يربي فيها نفسه على محاسن الأخلاق، وفضائل الخلال حتى إذا جاء موعد الحج يكون المسلم قد تدرب ونال حظه من الصبر وحفظ جوارحه عن المعاصي، فيصوم لسانه عن الرفث، وخواطره عن الفسوق، وأن يتسع صدره لمن قد يسيء إليه بالقول أو الفعل، وإذا احتاج الأمر إلى الحوار فيجب ألا يصل إلى الجدال الذي سوف يؤدي إلى الخلاف والاختلاف.

أقرأ في هذه الآية أن على المسلم أن يدرب نفسه على ما يعينه على قبول حجته، وتقبل طاعته، وألا يرتكب من المعاصي ما يضيف إلى سجل سيئاته المزيد من السيئات، وخاصة المعاصي تضاعف كما تضاعف الحسنات لأن المكان مبارك تزيد حسناته بالطاعات، وتزيد سيئاته بالمعاصي.

إن الحج ليس عبادة عادية يؤديها المسلم بينه وبين نفسه كالصلاة والزكاة والصوم.. هو عبادة عالمية يشترك فيها المسلمون القادمون من كل أصقاع المعمورة، وهؤلاء المسلمون جاؤوا من بيئات مختلفة ولهم عادات مختلفة، وعلى المسلم وهو يؤدي هذه الفريضة العظيمة التي جعلها الله تعالى الركن الخامس والأخير من أركان الإسلام وجعلها ملتقى سنويا يلتقي فيه المسلمون كل عام فيتعارفون، ويتبادلون الرأي في ما يهمهم كمسلمين، إنه مؤتمر عالمي عام يؤكد فيه وحدة الأمة النابعة من التوحيد، وصدق الله العظيم: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون». (الأنبياء 92).

والعجيب أن في الحج يتحقق قوله تعالى: «فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون» (المعارج 40)، وقال تعالى: «ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم» (البقرة 115)، وذلك لأن المسلمين في المسجد الحرام يتجهون إلى الجهات الأربع الأصلية وغير الأصلية لأن جميع الجهات لله تعالى، وليس هناك جهة للشيطان حظ فيها، فكلها لله تعالى.

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news