العدد : ١٥٤٤٥ - الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٥ - الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤١هـ

مقالات

بعد مرور 3 أعوام على «الأزمة الخليجية».. مازالت قطر تغرد خارج السرب!

بقلم: د. عمر الحسن

الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ - 02:00

مرت ثلاثة أعوام على أزمة مقاطعة «المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات، ومصر»، لقطر، نحاول في هذا المقال استعراض ما آلت إليه هذه الأزمة، وهل توجد هناك أي مؤشرات للخروج منها، وهل مازالت الوساطة الكويتية قائمة لإعادة المياه لمجاريها.

وكانت الدول الأربع قد قطعت علاقاتها مع قطر، في5 يونيو2017؛ لأسباب ارتبطت بمواقف وتصرفات الدوحة، التي لطالما أثارت سياستها الخارجية الكثير من الجدل في محيطها الإقليمي، فهي تعد من أكبر الداعمين سياسيا وماليا وعسكريا وإيديولوجيا لعدد من القوى المزعزعة للاستقرار في المنطقة، بل وتقوم بالترويج لأدبياتها ومخططاتها عبر وسائل إعلامها، فضلا عن القيام بتجنيس معارضين خليجيين، وهذا يعني أنها لم تلتزم بما تعهدت به في اتفاقي الرياض 2013/2014 ووقوفها إلى جانب طهران المعادية لدول الخليج، والتدخل في شؤونها الداخلية والعمل على زعزعة أمنها واستقرارها، من خلال إعلامها واحتضانها لجماعات معارضة مطلوبة لتلك الدول، وعدم الالتزام بما نص عليه النظام الأساسي لمجلس التعاون، بحيث تبدو كمن يغرد خارج السرب، وكأنها تعيش بمفردها أو ليست جزءا من منظومته.

وحددت الدول الأربع قائمة تضم ثلاثة عشر مطلبا، على قطر تنفيذها، وهي نفس المطالب التي وقع عليها أمير قطر «تميم»، والتزم بتنفيذها عامي 2013/2014 في اتفاقي الرياض أمام المرحوم الملك عبدالله بن عبدالعزيز عاهل المملكة العربية السعودية آنذاك، وذلك بضمانة أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، وشهادة قادة دول مجلس التعاون. بمعنى أدق، طالبت هذه الدول، قطر بأن تكون دولة منسجمة مع محيطها الخليجي على جميع الأصعدة ومن هذه المطالب:

وقف دعم تنظيم الإخوان المسلمين، وطرد العناصر التابعة له من قطر.

عدم إيواء عناصر من دول مجلس التعاون تعكر صفو العلاقات الخليجية، وتهدد أمنها واستقرارها.

عدم تقديم الدعم لأي تنظيم أو فئة في اليمن يهدد السلم الأهلي فيه أو في الدول المحيطة. 

عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول مجلس التعاون.

عدم تجنيس أي من مواطني دول المجلس إلا بموافقة دولته، وعدم إيواء فئات معارضة أو دعمها.

الالتزام بالتوجه السياسي الخارجي العام الذي تتفق عليه دول الخليج.

لكن وبعد وفاة الملك عبدالله بن عبدالعزيز يوم 23 يناير 2015، انقلبت قطر على الاتفاق، وقالت إن «الاتفاق مات بموت الملك عبدالله»، واستمرت في التمادي غير آبهة بما تلحقه سياساتها من أضرار بأشقائها.

وكانت السعودية والإمارات والبحرين قد أعلنت يوم 5 مارس 2014, سحب سفرائها من قطر، لعدم التزامها باتفاق 23 نوفمبر 2013. وانتهت الأزمة بعودة السفراء يوم 16 نوفمبر 2014, بعد توقيع أمير قطر اتفاقا تكميليًا لاتفاق عام 2013و وتعهده بالالتزام بكلا الاتفاقين.

وبقراءة هذه المطالب نلاحظ أنها لم تخرج بعيدًا عن بنود اتفاقي الرياض، حيث جاءت بمثابة إعادة صياغة للاتفاقات السابقة، ولكن هذه المرة بطريقة لا تسمح لها بالمراوغة والتهرب من التنفيذ. 

وبدلاً من الاستجابة لها حيث هدفت إلى إعادة قطر إلى بيتها الخليجي والعربي وإلى تصويب سياسة نظامها؛ استمرت في المكابرة، واعتبر وزير خارجيتها، محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، يوم 10/6/2017 أن قرار المقاطعة، بأنه «حصار وانتهاك للقانون الدولي وأن المطالب صعبة التنفيذ وتمس سيادتها، وأنها لن تغير من سياستها الخارجية».

وفي واقع الأمر، لم تقدم الدول الخليجية على إعلان مقاطعتها، إلا بعد أن ضاقت بهم السبل لتعديل سلوكها لتعود مجددا للمنظومة الخليجية وتلتزم بأهدافها ومبادئها التي تعاهدوا عليها عند نشأة مجلس التعاون منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ حينما وجدوا في اتحادهم قوة أمام الطموح الإيراني الرامي إلى تصدير ثورته، بالتزامن مع زيادة حدة الصراع الدولي حول منطقة الخليج؛ فتعاهدوا على الالتزام بالمبادئ التي قام عليها المجلس، وعدم مخالفتها أو انتهاكها، ومن أهمها الحفاظ على أمنهم وسلامتهم وقوة اقتصادهم وتماسك مجتمعاتهم جميعا وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، أو عقد اتفاقات ومعاهدات مع دول تعادي أي دولة من دول المجلس أو تهدد أمنها واستقرارها مع التزام كل دولة بما يحقق هذه الأهداف. ولكن منذ الانقلاب الذي قام به الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على والده عام 1995 وحتى الآن، تناست قطر هذه الأهداف والمبادئ، وتجاهلت تلك الالتزامات، وقامت بالتغريد خارج السرب الخليجي طامحة في تبوء دور إقليمي بالمنطقة، من خلال محاولتها صياغة مشروع يعتمد على ثنائية المكانة والدور في تحديد علاقاتها الخارجية وتعظيم قوتها ومكانتها على الساحة الإقليمية والدولية؛ ظنًّا منها أنها تستطيع منافسة دول إقليمية في المنطقة، ولم يكن هذا الطموح هو الخطأ الذي وقعت به واستحقت عليه المقاطعة، بل كانت التجاوزات والممارسات التي اتبعتها للوصول لأهدافها، وجميعها معادية وقاطعة لكافة صلات وروابط الإخاء مع دول المجلس، وانتهاكا لسيادتها؛ إذ حاولت الوصول لحلم بعيد المنال على حساب استقرار وأمن الدول الشقيقة، ومنها:

أولاً ـ تجاوزات إعلامية صارخة: 

- بثت قنواتها أكثر من 5020 مادة إعلامية عن البحرين منذ أحداث 14 فبراير 2011 وحتى نهاية أبريل2020. تضمنت فبركة أخبار أو تضخيمها؛ بهدف زعزعة أمن البحرين واستقرارها وتهديد السلم الأهلي فيها، والإساءة إلى قيادتها ورموزها وشعبها، وانحيازًا صارخًا إلى التنظيمات الإرهابية المتطرفة فيها، وتبرير أعمالها وتمجيدها من خلال أذرعها الإعلامية، واستمرت في هذه السياسة التحريضية بعد مقاطعتها عام 2017 وحتى نهاية أبريل 2020, حيث نشرت أكثر من 1750 مادة إعلامية تتضمن أخبارا وتقارير ومعلومات مغلوطة وبرامج نذكر من هذه المواد الإعلامية المعادية السابقة واللاحقة على سبيل المثال لا الحصر:

(1) تخصيص حلقة من برنامج «الاقتصاد والناس» حول «الفقر في البحرين» عام 2010, حيث صورت على غير الحقيقة أن في البحرين من لا يملك قوت يومه. 

(2) إنتاج فيلم بعنوان: «صراخ في الظلام»، عام 2011 يظهر البحرين بالدولة القمعية، واحتوى على اتهامات عديدة.

(3) بث برنامج وثائقي «ما خفي أعظم» ادعى فيه تجنيد المخابرات البحرينية لقياديين بتنظيم القاعدة لاغتيال معارضين بارزين بمخطط في عام 2003.

(4) استغلت قناة الجزيرة مناسبة عاشوراء في سبتمبر عام 2019 لإثارة النعرات الطائفية في البحرين من خلال بث برامج عن وجود تقييد للحريات الدينية.

(5) بث ثلاث حلقات من برنامج «للقصة بقية» في أوقات مختلفة يتناول بشكل مسيء الأوضاع في البحرين، ففي 5 فبراير 2018 بث حلقة يدعى فيها أن الاقتصاد البحريني يواجه مخاطر جمة دون الاعتماد على أدلة موثوقة، وفي 2 أبريل 2018 بث حلقة حول الإساءات التي يتعرض لها السجناء في البحرين، ثم في 9 سبتمبر 2019 بث حلقة بعنوان مأزق الإصلاح في البحرين وقد استضاف البرنامج في حلقاته الثلاث جماعات المعارضة وجهات معادية أو منحازة.

ثانيًا ـ تدخلات قطر في

 الشؤون الداخلية البحرينية: 

لم تكتف قطر بالإساءة لمملكة البحرين عبر أذرعها الإعلامية وحسب، بل تدخلت في شؤون البحرين الداخلية عبر فتح خطوط اتصال وتمويل للجماعات المعارضة، نذكر منها:

- إثارة العديد من الخلافات مع البحرين منذ عام 1995, والتي على إثرها ظلت العلاقات معها متوترة بسبب هذه النزعة العدائية التي أظهرتها.

- خلال أحداث فبراير ومارس 2011 أظهرت المكالمات الهاتفية بين «حمد بن جاسم آل ثاني»، رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها آنذاك، و«علي سلمان»، الأمين العام لجمعية الوفاق المنحلة، وكذلك مكالمات «حسن سلطان»، القيادي في نفس الجمعية مع مستشار أمير قطر السابق، «حمد بن خليفة العطية»؛ وجود تنسيق وترتيبات قطرية مشبوهة مع جماعات المعارضة التي قادت التدمير والتخريب فى البحرين خلال أحداث عام 2011 المؤسفة.

- منح قطر الجنسية لمواطنين بحرينيين من خلال إغرائهم بالحصول على امتيازات وتسهيلات، وقد استهدفت الحكومة القطرية تجنيس العسكريين من البحرينيين، حيث كشفت وثيقة سرية نشرت عام 2017 أن هناك 12 عسكريا بحرينيا جنستهم قطر، بهدف الحصول على معلومات حساسة لخدمة أغراضها التخريبية، وهي بذلك انتهكت كعادتها ما تعهدت به كتابة في اتفاقي الرياض عام 2013/2014.

ـ استضافة الدوحة لمجموعة من مراكز الأبحاث الغربية؛ وظفتها لإعداد دراسات لتشويه سمعة البحرين وغيرها من دول المجلس. 

- بالتزامن مع الانتخابات النيابية والبلدية عام 2018 تم ضبط شخصين ثبت تلقيهما أموالا من وزير سابق بالحكومة القطرية وحكم عليهما بعد ثبوت تهمة التخابر مع قطر. وفي مايو 2019, تم رصد شبكة من المواقع الإلكترونية تدار من قطر تستهدف إثارة الفتنة وتحاول زعزعة الأمن والاستقرار في البحرين.

- في مارس2020 حاولت قطر تسييس موضوع بعض البحرينيين العالقين في إيران، وقامت من دون تنسيق مع الحكومة البحرينية بجلب «31» بحرينيًا من هناك من خلال رحلة طيران عادية غير مجهزة طبيًا وذلك لاستغلالهم في حملة تشويه مكشوفة ضد البحرين، حيث زعمت بأن المملكة ترفض استعادتهم.

ثالثًا ـ إيواء الجماعات المتطرفة 

وتقديم الدعم إلى التنظيمات الإرهابية:

- لقطر تاريخ طويل في احتضان جماعات محظورة لدى بعض دول مجلس التعاون، مثل جماعة الإخوان المسلمون وإرهابية، مثل تنظيم داعش والقاعدة، وتدعم منظمات متطرفة كهيئة تحرير الشام، وجبهة النصرة في سوريا، ومؤسسة البلاغ الخيرية والحوثيين في اليمن، و«مجلس شورى ثوار بنغازي» في ليبيا.

- في أغسطس 2018 تم الكشف عن قيام رجل أعمال قطري، بتمويل (جمعية الوفاق) التي قادت محاولة لانقلاب في البحرين عام 2011. وذلك خلال الفترة من عام 2010 حتى عام 2015.

- تدعم قطر أكاديمية «التغيير» بفيينا، والتي تقوم بتدريس أساليب تغيير الأنظمة الحاكمة بتكتيكات تتبنى اللا عنف، وتقوم بعمل دراسات طائفية منها دراسات حول علاقة السنة والشيعة في البحرين.

- أصدرت الدوحة قانونًا لمنح حق اللجوء السياسي في سبتمبر 2018 وأتبعته بقرار خاص بفئات اللجوء في يونيو 2019 يقنن إقامة الإرهابيين المقيمين على أراضيها من خلال استخدام تعبيرات فضفاضة لطالبي اللجوء، مثل المدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم.

- بالإضافة لذلك لجأت لإسرائيل باعتبارها بوابة نفاذها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فأقامت معها علاقات منذ 1996. واستضافت شمعون بيريز رئيس وزراء إسرائيل آنذاك، والعديد من وزرائها ومسؤوليها، انطلاقا من أنها يمكن أن تقنع الأخيرة بإمكانية قيامها بدور وكيل أعمالها في منطقة الخليج مقابل أن تكون تحت حمايتها.

رابعًا ـ تحالف إيراني-

 قطري يهدد أمن المنطقة: 

- تحالفت قطر مع إيران، رغم خصومة الأخيرة مع العديد من دول مجلس التعاون وخاصة البحرين؛ بسبب تدخلاتها في شؤونها الداخلية وأطماعها في الهيمنة على منطقة الخليج ومخاطر برنامجها النووي وأذرعها وأتباعها وعملائها وخلاياها النائمة، والتي عانت منها مملكة البحرين، فقد وقفت إيران وراء محاولة الانقلاب على الحكم التي قادتها جماعات موالية لها في فبراير ومارس عام 2011. وتسببت خلاياها في استشهاد 25 رجل أمن منذ فبراير عام 2011 وجرح 2531. كما قامت هذه الخلايا بتنفيذ 568 اعتداءً على المنشآت العامة من أخطرها الاعتداء على أنابيب النفط، وتنفيذ 209 اعتداءات على أفراد وممتلكات خاصة، هذا إلى جانب تصريحات المسؤولين فيها الذين يعتبرون البحرين تابعة لإيران والتي بلغ عددها منذ فبراير 2011 حتى أبريل 2020 حوالي 773 تصريحًا، ورغم أن قطر تعي هذه الحقائق جيدًا إلا أنها أصرت على التحالف مع إيران.

- تطورت العلاقات بين البلدين كما وضح خلال زيارة الرئيس الإيراني الأسبق، محمد خاتمي لقطر في مايو 1999, حيث دعمت إيران قطر لاستضافة مؤتمر القمة الإسلامي حينها. وكانت الأخيرة في عام 2006 العضو الوحيد بين 15 عضوا في مجلس الأمن الذي صوت ضد قرار مجلس الأمن رقم 1696, بخصوص الأنشطة النووية الإيرانية.

- دعت قطر الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي في الدوحة عام 2007 كضيف شرف دون استشارة قادة دول المجلس والتنسيق معهم. وفي عام 2010 زار أميرها السابق، حمد بن خليفة آل ثاني، إيران والتقى بمرشدها علي خامنئى، وتم توقيع اتفاقية أمنية شملت التعاون في مجالات عديدة، منها الجريمة والإرهاب. وفي عام 2013 قامت قوات إيرانية بتدريب خفر السواحل القطرية فى مجال مكافحة المخدرات. وفى عام 2015 تم توقيع اتفاقية «مكافحة الإرهاب والتصدى للعناصر المخلة بالأمن فى المنطقة». وفي أكتوبر من نفس العام تم توقيع اتفاقية تعاون لـ«حماية الحدود المشتركة» بين البلدين. كما أن هناك تنسيقا بين البلدين بشأن الجماعات الإرهابية التي تقع تحت سيطرتهما، فقطر لها نفوذ بين المجموعات المسلحة المنتشرة في المنطقة، وطهران تقود هي الأخرى مليشيات إرهابية طائفية مسلحة. 

- بعد عام 2017 حاولت قطر الهروب من أزمة مقاطعتها بتعزيز علاقاتها مع إيران، فأصبحت تدعمها على المستوى الدولي من خلال محاولة التخفيف من آثار العقوبات المفروضة عليها والدفاع عنها ضد القرارات المتخذة بحقها، مثل اعتراضها على القرار الأمريكي الخاص باعتبار الحرس الثوري منظمة إرهابية، بل وأصبحت تروج لها في المنطقة.

- عززت قطر علاقاتها مع إيران، من خلال أعمال اللجنة المشتركة بين البلدين عام 2018. وفي مارس من نفس العام وصل وفد عسكري إلى قطر، لتأكيد دعم بلاده لقطر. وفي مارس 2019 دعمت قطر تطوير حقل غاز «بارس» الإيراني. فيما تخطى حجم التبادل التجاري بينهما ملياري دولار عام 2019. ومن المتوقع –كما تقول إيران- أن يرتفع إلى 5 مليارات دولار خلال السنوات المقبلة.

- وجه الرئيس الإيراني، «حسن روحاني»، الشكر إلى أمير قطر، «تميم بن حمد»، على موقف حكومته من القمتين الطارئتين الخليجية والعربية بمكة في الثلاثين من مايو عام 2019, بعد أن تنصلت قطر من المواقف التي عبرت عنها القمتان فيما يتعلق بإدانتهما لإيران؛ بدعوى أنها تتعارض مع سياستها الخارجية. وفي يناير 2020 زار أميرها إيران في وقت كانت تعاني من ورطة إسقاط الطائرة الأوكرانية، وقالت بعض وكالات الأنباء أن الأمير تكفل بدفع التعويضات إلى الضحايا نيابة عنها. 

خامسًا ـ التعاون القطري - التركي:

عززت الدوحة تعاونها مع أنقرة منذ صعود حزب العدالة والتنمية بداية 2002 والذي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، ومن أبرز صور التعاون:

- مساعدة قطر لتركيا خلال محاولة الانقلاب على الرئيس التركي، رجب طيب أردوجان في يوليو 2016.

- قامت تركيا في عام 2016 ببناء قاعدة عسكرية جنوب قطر؛ وبنشر قواتها هناك بدءًا من يونيو2017.

- تم توقيع 52 اتفاقية بين عامي 2014 و2019. 

- تطورت العلاقات الاقتصادية بين البلدين حيث بلغ حجم التبادل التجاري أكثر من الضعف بعد عام 2017, ووصل عام 2018 إلى ملياري دولار.

- قدمت قطر حزمة من المشاريع الاقتصادية والاستثمارات والودائع بما يقارب 55 مليار ريال قطري؛ دعما للاقتصاد التركي عام 2018. وباتت هذه العلاقات بمثابة صورة واضحة تعكس تعاونهما العسكري.

هذا من جهة ومن جهة أخرى، ومنذ قرار الدول الأربع مقاطعتها؛ تتواصل مساعي قطر لخلق رأي عام دولي رافض لهذا القرار من خلال إطلاق الادعاءات بأن هناك حصارا فُرض عليها في تجاهل تام للفرق الجوهري بين المصطلحين من الناحية القانونية والعملية. فمن الناحية القانونية، يعد الحصار «إحاطة دولة بشكل تام بحرا وجوا وبرا ومَنع أي اتصال تجاري أو خارجي به». ووفقا للقانون الدولي فإنه ليس لأي بلد الحق في إعلانه إلا من خلال قرار صادر عن مجلس الأمن، بحسب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ولعل من أكثر الأمثلة المعاصرة عليه ما حدث مع العراق على خلفية غزوها الكويت عام 1990؛ حيث تم استصدار القرار الأممي رقم 661 عام 1990, وتلته عدة قرارات أخرى تضمنت إعلان المقاطعة التجارية والمالية والاقتصادية والعسكرية الشاملة، ومنع حركة السفن والطائرات من التواصل بين بغداد ومدنِ العالم الخارجي. 

وفي المقابل، تعد المقاطعة بمثابة «حق سيادي يمنحه القانون الدولي، إما بشكل جماعي أو فردي للدول في حال تم رفض التعامل معها، وذلك اعتراضًا على قيامها بأي موقف ينتهك قواعد القانون الدولي ويهدد الأمن القومي للدولة المقاطعة والسلم المدني بها، ويتم عبر قطع العلاقات الدبلوماسية وإقفال الحدود أمام هذه الدولة ومواطنيها». وهو ما أكده رئيس مجلس محافظي مركز القانون الدولي في مقال نشرته صحيفة «سترايتس تايمز» البريطانية من أنه: «للدول الحق السيادي في أن تقرر متى وعلى أي أسس تقيم علاقاتها الدبلوماسية مع بلد آخر».

وبالتالي، فإن الإجراءات التي اتُخذت تندرج تحت إطار «قطع العلاقات»، وليس «الحصار»، حيث لم تفرض الدول الأربع حصارا بريا أو بحريا أو جويا عليها، وما فعلته أنها أغلقت أجواءها وحدودها وموانئها أمام السفن والطائرات القطرية في حين بقيت أجواء الدول الثلاثة مفتوحةً أمام جميع الخطوط الجوية القادمة من كل أنحاء العالم باتجاه قطر. 

وبلغة الأرقام، لازالت حركة التعاملات الاقتصادية القطرية بما تتضمنه من تجارة خارجية وحركة السفر والنقل مع العالم الخارجي، قائمة لم تتأثر بقرار المقاطعة، وبلغ عدد السفن القادمة إلى قطر، 388و344 سفينة في شهري مارس من العام 2019و2020 على التوالي. ووفقا للإحصاءات الصادرة عن «جهاز التخطيط والإحصاء القطري»؛ استقبل ميناء الدوحة في مارس 2019, 14 سفينة، وميناء مسيعيد 87 سفينة، و8 سفن استقبلها ميناء حالول، ونحو 147 في ميناء الرويس، أما ميناء حمد، فقد استقبل 132 سفينة. كما لازالت حركة السفر مفتوحة أمام الزوار الوافدين إليها، حيث استقبلت 546.609 وافدا في مارس2020, منهم 416.741 قادما عبر الجو، ونحو 129.868 عبر الموانئ البحرية. منهم 53.650 زائرا قادما من دول مجلس التعاون، و37.533 وافدا من الدول العربية الأخرى خلال نفس الفترة.

وفي نفس السياق، يشير ميزان المدفوعات القطري إلى عدم خضوعها لعملية حصار كما تدعي، حيث بلغت صادراتها نحو 265.5 مليار ريال عام 2019, مقابل 245.7 مليار ريال عام 2017, ونحو 208.6 مليار ريال عام 2016, مقابل واردات قدرت بنحو 114 مليار ريال عام 2019, مقابل 116 مليار ريال عام 2016, بما يوضح أن حركة التجارة الخارجية مازالت متواصلة مع العالم. فيما تواصلت حركة تدفقات الاستثمارات الخارجة والوافدة إليها، حيث بلغ صافي الاستثمار الأجنبي المباشر(-2.6 مليار ريال) لصالح الاستثمارات المباشرة الخارجية البالغة 6.2 مليارات ريال، وفي حين بلغت الوافدة 3.6 مليارات ريال في العام 2017, وصلت إلى 26.4 مليار ريال عام 2019. 

ولعل أكبر دليل على أن حركة الصادرات والواردات مازالت متواصلة من وإلى قطر، ارتفاع وارداتها من إيران من 50 مليون دولار عام 2014, لتصبح 424 مليون دولار عام 2018, فيما ارتفعت وارداتها من تركيا بأكثر من الضعف لتصبح 1.3 مليار دولار عام 2018, مقابل 456 مليون دولار عام 2014, في حين أن صادراتها إلى تركيا ارتفعت بمقدار الضعف تقريبا بين عامي 2017 و2018, حيث بلغت 1.07 مليار دولار عام 2018, مقابل 538 مليون دولار عام 2017. وعلى المستوى الخليجي، وفقا لإحصاءات «مركز التجارة العالمي»، لا تزال صادرات الغاز القطرية مستمرة، حيث بلغت صادراتها لدول مجلس التعاون حوالي 3.2 مليارات دولار في العام 2018, بما نسبته 3.8% من إجمالي صادراتها للعالم، والبالغة 84.3 مليار دولار، بلغت حصة الإمارات منها ما نسبته 46%، في حين حصلت الكويت وسلطنة عمان على الحصة المتبقية، فيما تراجعت صادراتها عن قيمتها في الأعوام السابقة، حيث بلغت حوالي 6.5 مليارات دولار في العام 2015 بما نسبته 8% من إجمالي الصادرات القطرية للعالم. أما على جانب الواردات القطرية من دول المجلس، فقد مثلت 4.4% من إجمالي وارداتها من العالم؛ حيث بلغت 1.4 مليار دولار من إجمالي 31.7 مليار دولار عام 2018, مقابل ما نسبته 15% من إجمالي وارداتها في العام 2015.

ودحضا لادعاءات قطر مازالت دول مجلس التعاون متبنية للأهداف الأساسية للمجلس، وهو ما أكدت عليه في البيان الختامي للقمة الخليجية الـ«39»، التي عقدت في ديسمبر 2018, بشأن اعتبار التكامل الخليجي هدفا اسمى يسعى لتنفيذه، من خلال تفعيل رؤية المرحوم الملك «عبدالله بن عبدالعزيز»، التي أقرت في ديسمبر 2015, وتضمنت الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، وصولاً إلى الوحدة الاقتصادية بحلول عام 2025, حيث قررت القمة وضع خريطة طريق تشمل: تفعيل الإجراءات اللازمة لتحقيق التكامل الاقتصادي عبر إنشاء السوق الخليجية المشتركة والاتحاد الجمركي، وإصدار الأنظمة التشريعية اللازمة لذلك قبل 2025.

ونختم بالقول إنه منذ بداية الأزمة حرصت الدول الأربع على إنجاح وساطة أمير الكويت، من أجل حل الخلاف باعتبار أن التحديات والمخاطر في المنطقة كثيرة تتطلب تعزيز التعاون للحفاظ على الأمن الإقليمي. غير أن قطر لم تبد رغبة في ذلك وفوتت الفرصة تلو الأخرى وتمسكت بمواقفها التي تبعدها عن محيطها الخليجي، وكما وضحنا في بداية هذا المقال، قامت بممارسات واتخذت قرارات واتبعت توجهات عدائية تتعارض مع مصالح دول المجلس، مثل اللجوء إلى إيران كداعم ومساند لها في وجه أشقائها؛ ودخلت معها في تحالفات تضر بأمنهم واستقرارهم، وإمعانًا في الاستفزاز قامت أيضًا باستضافة قاعدة عسكرية تركية على أراضيها، لتغدو دولة غير منسجمة مع مجلسها الخليجي، وغير ملتزمة باتفاقياته ولا بنظامه الأساسي، واستمرت في التدخل في شؤون أشقائها واحتضان تنظيمات وإيواء مطلوبين أمنيا على أراضيها ومهاجمة دول المجلس بشكل منهجي عبر منابرها الإعلامية وتنظيم المنتديات والمؤتمرات التي تستهدفها حتى إنها استهدفت المجلس نفسه.

وأمام تلك الممارسات غير المشروعة خلال ما يقارب من ربع قرن تقريبًا والتجاهل التام للتحذيرات الخليجية المتوالية؛ التزمت دول الخليج وخاصة البحرين الصبر تجاه قطر، وتم منحها أكثر من فرصة للتراجع عن سلوكها القائم على الازدواجية، والتي كانت تظهر شيئا وتفعل في الخفاء شيئا آخر، أي إنها كانت تفعل ما يضر بوحدة وأمن واستقرار دول الخليج ومنظومتها وخاصة البحرين، وعندما نفد الصبر الخليجي كان القرار بالمقاطعة هو الأداة الأنسب للرد على هذه السياسات والممارسات.

وبحسابات المكسب والخسارة، وبعدما ربطت مستقبلها وجندت أموالها وإعلامها وسياستها الخارجية لخدمة ودعم وتمويل وتوظيف تيارات التخريب والفوضى والإرهاب في الخليج والمنطقة العربية بشكل عام، جاءت المحصلة بما لا تشتهي قطر، فأخفقت كافة مخططاتها نحو السيطرة والنفوذ، فلا هي أصبحت دولة محورية ولا دولة يحوطها الجميع في المنطقة بالأمن والأمان، والأدهى من ذلك أن الجميع يبتزها حين تخلت عن غطائها الخليجي والعربي، فرغم النفقات الهائلة التي تنفقها على قواتها العسكرية؛ وفق تقرير «معهد السلام الدولي»، في استوكهولم، جاءت في المرتبة 11عالميًّا في 2016, بين مستوردي الأسلحة، ومع ذلك فهي لا تستطيع حماية نفسها بنفسها، بل تتمتع بحماية أجنبية موجودة على أرضها.

على العموم، وفي ظل هذا الوضع لا أحد يمكنه –وللأسف- أن يتنبأ متى تنتهي هذه الأزمة، فقد يأتي العام القادم أو الذي بعده والأزمة مازالت مستمرة.. إلا إذا التزمت قطر بميثاق مجلس التعاون، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأشقائها وألا تعقد اتفاقات ومعاهدات مع دول تعادي أو تهدد أمنهم واستقرارهم، وألا تتآمر عليهم كما شاهدنا بالصوت والصورة تآمر الأمير الوالد ووزير خارجيته مع القذافي على حياة الملك عبدالله، وعلى نظام المملكة العربية السعودية؛ هنا فقط ستقوى قطر بقوة مجلس التعاون ويقوى المجلس بوجودها.. فهل يفعلها الأمير تميم؟

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news