العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

جمال عبدالناصر.. زعيم تاريخي مازال في قلوبنا

بقلم: محيي الدين بهلول

الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ - 02:00

هذا العامُ سنحتفلُ بالذكرى الثامنةِ والستين لثورةِ يوليو المجيدةِ التي قامت يوم 23 يوليو عام 1952، وفي الذكرى الثالثة والخمسين على عدوان 5 يونيو 1967 يقول عبدالناصر عن سياسته إبان حكم مصر: إنه كان في حياته هدفان هما أن تكون وطنية الشعب المصري مصرية خالصة، وأن تكون أيضا قومية عربية»، ومن ضمن رسائل عبدالناصر وهذه حقيقة يقول: «آمنت بها وجعلتها دستورَ حياتي وهي ألا أفرق أبدا بين الإرادة الإيجابية والإرادة الحالمة، وأعني بالإرادة الإيجابية، الإرادة التي تتصل بها خطة التنفيذ ووسائلها العملية لتكون حقيقة واقعة»، ويقول عن ظاهرة الفساد: «إنه قد بدا لي في بعض ما رأيت من صور الحياة المصرية في العهد الماضي ظاهرة خطيرة لها نظائر كثيرة في بلدان أخرى، هي أن الأخلاق والمثل العليا ليست دائما هي الطريق إلى النجاح، بل لقد بدا لي أن أهل الفساد في أحوال كثيرة أقرب إلى النجاح في الحياة من أهل الخلق والفضيلة»، ويقول عبدالناصر في إحدى مقالاته: «أخطر ما نواجهه اليوم، وما سوف نواجهه غدا هو أن شعبنا العربي تخلَّف أجيالًا عن تقدمه بفضل ظروفٍ مختلفة، بعضها يرجعُ إلى عواملَ داخلية، وبعضها الآخر يرجعُ إلى عواملَ فُرضت من الخارج فرضا». 

هناك أمورٌ مجهولةٌ في قصة جمال عبدالناصر الذي يعدُّ رمزا للثورة كما روتها الصحفيةُ الألمانيةُ «مرجريت كروس» التي كانت مراسلةً لمجلةٍ ألمانية في القاهرة. لقد كانت مصرُ كلها عام 1918 في حالةِ ثورةٍ بقيادةِ سعد زغلول، وكانت أسرة عبدالناصر حسين الموظف الذي نزح من «بني مر» قرب أسيوط تسكن في شقةٍ متواضعة في الإسكندرية لظروفِ عمله، ولقد رُزقَ عبدالناصر أفندي ابنه البكر بعد عامٍ من الزواجِ واتفقت الأسرةُ على تسميته «جمال» لأن الجمالَ أفضلُ صفات الله، وظل الطفلُ يكبرُ وينمو سريعًا، وكلما كبرَ ازدادت صلته بوالدته، وكانت البلادُ في هذا الوقت قد هدأت، وعاد الفلاحون إلى عملِهم الشاق، وتنقل عبدالناصر حسين بينَ عدةِ مراكز في مكاتب بريد المناطق الريفية، وهنا رأى جمال، وهو طفلٌ صغير، أطفالًا في سنه يعملون طولَ النهارِ في عملٍ متواصل، ونساء تكدُ وتكدحُ تماما كالرجلِ وفوق هذا وذاك يتناولون طعامَهم الضئيل المحدود الذي لا يتناسب مطلقا مع جهدهم المضني والشاق، وكانت لهذا الطفلِ نظرةٌ مختلفةٌ عن الآخرين كان في دراسته مثابرًا أحيانا، متعثرا أحيانًا أخرى حتى اجتاز المرحلة الابتدائية وقطع شوطًا في مرحلته الثانوية.

في سنة 1930 مرت مصر بسنين عصيبة؛ فقد ألغى صدقي باشا الدستورَ، وجاء بدستورٍ جديد، وأراد أن يفرضَه على البلادِ بالقوة، وانفجرت المظاهراتُ والاضطراباتُ التي استمرت طوال حكم صدقي باشا، وانطلاقا من ذلك اشترك جمال في أول عمل سياسي في حياته وهو الانضمام إلى مظاهرة ضد حكومة صدقي باشا، وكان ذلك في الإسكندرية وكان من نصيبه ضربةُ عصا هوت على جسمه وتم احتجازه في أحد أقسام البوليس. هذه مجرد لمحة موجزة جدا عن حياة الزعيم جمال عبدالناصر حتى قيامه بثورة 23 يوليو 1952.

لقد جاءت ثورةُ ناصر ليتخلصَ الشعبُ المصري من أربعة وسبعين عاما من الاحتلالِ البريطاني، ولهذا الاستعمار قصةٌ مختصرة الأحداث كبيرة المعاناة على الشعب المصري، ففي التاسع عشر من شهر مايو عام 1882. فوجئ أهل الإسكندرية بمدرعة تدخل الميناء ومن بعدها جاءت بوارج أخرى بريطانية وحار الشعب في أمر هذه المظاهرة البحرية، وتساءل الناس يومئذ لحساب من جاءت هذه البوارج؟!. ولم تدم الحيرةُ طويلا، فقد كُشف النقابُ عن بدايةِ الخيانة ضد الشعب، وعرف الناسُ أن يد الخديوي توفيق بدأت تمتد في الخفاء إلى خارج مصر تطلب العون من الأجانب ليقضيَ على كفاحِ الشعب الذي قاده أحمد عرابي وزملاؤه، وبمجرد طلوع شمس صباح يوم 11 يوليو 1882 أطلت طلائع الغدر على مصر جميعها، وفي الساعة السابعة صباحا بدأت قذائف الأسطول البريطاني تنهال على مدينة الإسكندرية وهنا أدرك الشعبُ أن الخديوي يقوم بتسليم البلاد للإنجليز، فصمم عرابي على قيادةِ المصريين في معركة الخلاص، ووقفت جموع الشعب وراءه تسانده، حتى انطلقت دعوات الشعب المصري لأحمد عرابي «الله ينصرك يا عرابي»، وانتصر عرابي في البداية على الإنجليز وقوى الاستعمار، ولكن خيانة الخديوي هي السبب في هزيمة عرابي بمساندة وخيانة البعض في معركة التل الكبير لتقع البلاد تحت قبضة الاحتلال البريطاني.

ولم تنقطع مؤامرات الاستعمار بل ظهرت بوضوح في مذبحة دنشواي وثورة 1919 وانتفاضة 1935. وفي معارك القنال، ووقفت جموع الشعب في وجه المتآمرين جميعا، بقيادة عرابي ثم مصطفى كامل ومحمد فريد ثم كانت إشراقة ثورة 23 يوليو 1952 التي قادها ضابط من قرية بني مر في صعيد مصر هو جمال عبدالناصر.

اليوم تمر علينا ذكرى النكسة ومؤامرة عدوان 1967 في عامها الثالث والخمسين والتي تمثل مؤامرة الاستعمار والصهيونية على الأمة العربية صبيحة يوم 5 يونيو 1967.

لكن عبدالناصر رفض مشاعر الهزيمة وسرعان ما امتطى جواده وسار به في طريق المواجهة مرة أخرى، رغم أن من شاهد عبدالناصر وهو يلقي خطاب التنحي يشعر أنه كبر في عمره عشرات السنين بسبب النكسة، لكنه ظل شامخا رغم معرفته بحجم الكارثة التي حلت بمصر والأمة العربية، ولكنه بعزيمة وثبات وشجاعة لا تجدها في غيره من الرجال، اختصر المسافات وركز سريعا على رفع درجة استعداد الجيش وتسليحه من جديد، فعبد الناصر هو من مهد لحرب الانتصار في 6 أكتوبر 1973 عبر تنفيذه وبأسلوب قتالي متحضر «حرب الاستنزاف»، وظل عبدالناصر وفيا للدفاع عن القضية الفلسطينية.

وعلى الصعيد الداخلي، أصدر جمال عبدالناصر قانونَ الإصلاح الزراعي في 9 سبتمبر 1952 ثم قام ببناء السد العالي وإنشاء المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي في سبتمبر 1952، وبعد العدوان الثلاثي تم تمصير وتأميم ومصادرة الأموال البريطانية والفرنسية وتم إنشاء المؤسسة الاقتصادية عام 1957، وفي 13 فبراير أمم الرئيس عبدالناصر بنك مصر أكبر مصرف تجاري في مصر، وكذلك كل الشركات الصناعية التي كانت تديرها الاحتكارات البريطانية والأمريكية، لقد رحل عبدالناصر بعد أن ترك لمصر أكبر قاعدة صناعية في العالم الثالث، إذ كان عدد المصانع التي أُنشئت في عهده «1200» مصنع منها مصانع صناعات ثقيلة وتحويلية واستراتيجية. رحم الله جمال عبدالناصر الذي لا يزال في قلوبنا.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news