العدد : ١٥٤٤٩ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٩ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

كورونا والطريق إلى عالم الثراء (3)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون

الخميس ٠٤ يونيو ٢٠٢٠ - 02:00

لابد ان تستنهض جائحة كورونا المبدعين كل في مجاله وتخصصه لتحويلها من جائحة إلى منحة وفرصة للإبداع والسير في طريق الثراء, ومراكمة الثروة, انطلاقا من الشواهد التاريخية التي تشير إلى انه في الأزمات تصنع الثروات, كما ان الأرباح الكبيرة غالبا ما تتحقق من الاستثمارات عالية المخاطر, لكن المسألة الأكثر أهمية في هذه الأزمة وغيرها من الأزمات, هي كيف نكتشف الفرص الاستثمارية التي تقودنا إلى عالم الثراء؟ بل قل كيف نصنع الفرصة الاستثمارية قبل ان نصنع الثروة؟ ذلك هو نتاج رأس المال البشري المبدع القادر على استقراء بيئة الأزمة وما قبلها, والمتابع لمجرياتها, والمتوقع لما يمكن ان يحدث بعد انقشاعها, وقدرته على تحويلها إلى مصدر للإلهام لاستكشاف مسارات وفرص جديدة ومتجددة في التطوير التقني والاجتماعي والاقتصادي, وتلبية الاحتياجات المجتمعية. ونقلها من عالم الفكر إلى ممارسات فردية أو مؤسسية أو مجتمعية جديدة تتميز بالمبادرة والابتكار والمخاطرة، وذلك لا يتحقق دون عقلية مرنة تستكشف الفرص وتسعى إلى خلق التغيير، وتتميز بالتركيز العالي في التنبؤ بالمستقبل ومدفوعة بإرادة تغيير مستدامة تصنع الأثر ولا تركز على النتائج الشكلية فقط. وفرص الأزمات هي غير الفرص التقليدية لكنها تنبع من بين معطياتها, لاسيما ان الفرصة الاستثمارية ما هي الا فكرة إبداعية يتم تحويلها إلى مشروع يلبي حاجات مجتمعية ناجمة عن الأوضاع الجديدة, أو أنها وسيلة جديدة لتوفير حاجة تقليدية مجتمعية لخدمة أو منتج عجز السوق عن تلبيته في وقت الأزمة, أو أنها ابتكار لمنتج جديد بديل عما تم فقده من حاجات ضرورية بسبب الأزمة, أو أنها تطوير لمنتج قائم ليلبي خدمات أو حاجات مستقبلية تتناغم مع بيئة ما بعد الأزمة. وحتى يمكن تحويل الفرصة الاستثمارية من فكرة عالقة في أذهاننا إلى مشروع قائم ومنتج لابد من ان نستثمر كامل مهاراتنا وخبراتنا الشخصية ومهارات وخبرات فريق العمل الذي نختاره لمشاركتنا النجاح, فإن لم نتمكن من الاختيار الصحيح لفريق العمل أو الارتقاء السريع بإمكاناته واستنهاض خبراته فأننا سنفشل ونضيع حلم الثراء ونتحمل لوحدنا نتائج ذلك الفشل, حيث يستنبط من تجارب الأثرياء قاعدة تقول «ننجح جميعا أو تفشل لوحدك».

والمسألة الأخرى التي ينبغي ان ترافق صانع الفرصة الاستثمارية في ظل الأزمات هي قدرته على تكييف أوضاعه بما يتيح لنفسه اكبر قدر من الديناميكية والحركة والمتابعة والاتصال والصبر, والحوار والإقناع لأطراف متعددة, ذات اتجاهات فكرية ومهنية ومصالح شخصية وطموحات متباينة, وهنا يظهر دور المهارات الشخصية, وسعة الاطلاع, وتنوع الثقافة العامة والخبرات العملية في التعامل مع السوق. وغالبا ما يواجه الباحثون عن الثراء محبطات كثيرة أولها ان رأس المال جبان بطبعه, ويبحث الممولون عن أدق تفاصيل الضمانات في الظروف الطبيعية المستقرة, فكيف في ظل ظروف الأزمة؟ سيكون رأس المال شحيحا, وعلى المبدع ان يجهد فكره ويستثمر علاقاته وان يقنع أصحاب المال بمغريات غير تقليدية لدعمه, وان يبحث عن مصادر رأس المال المخاطر. وإذا كانت قناعات المبادر تامة ومبنية على معطيات حافزة وواضحة, ومبنية على دراسة حاذقة, ومعرفة عميقة في بواطن الأزمات وليس مظاهرها فقط, سيجد حتما رأس المال المناسب, وتعد المشروعات القائمة المتعثرة بسبب الأزمة, والتي لا تتيح لها بيئة ما بعد الأزمة والمستجدات التي ستنجم عنها فرصة للانطلاق ثانية بمعطياتها الراهنة, فان تطويرها بما يستجيب ويتناغم مع المستقبل يمثل فرصة جاهزة لأصحاب الأفكار الخلاقة للدخول إلى عالم الثراء, شركاء بأفكارهم, وأصحاب المشروع المتعثر شركاء بموجوداتهم, وقدراتهم على الحصول على التمويل, خاصة وان مختلف دول العالم تتيح في الأزمات وما بعدها, حزم تمويل سخية للمشروعات القائمة في سبيل النهوض بها لأجل استمرار نمو الاقتصاد الوطني وهذا ما نلاحظه اليوم في ظل جائحة كورونا, ويمكن الإشارة إلى مثال بسيط لاحظناه في جائحة كورونا يتمثل بتحول كبريات دور صناعة الأزياء التي تعرضت إلى الركود حد الإفلاس, إلى إنتاج الكمامات الواقية, والقفازات البسيطة, استجابة لطلب السوق الأمر الذي أتاح لها فرصة النهوض من جديد, لذا ينبغي ان لا نستهين بأبسط الفرص الاستثمارية.

وفي ظل الأزمات هناك عامل هام ينبغي أخذه بنظر الاعتبار الا وهو الزمن, لا بل قد يكون العامل الأهم في اقتناص أو صناعة فرص الثراء في ظل الأزمة, حيث يتسابق المبادر مع الزمن, كل دقيقة لها حسابها, ويمكن ان تحمل متغيرا يؤثر كليا على مشروعك المأمول, فقد قالت العرب الزمن كالسيف ان لم تقطعه قطعك. وفي ختام هذه المقالة نشير إلى ما ذكره الخبير الاقتصادي روشير شارما، كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين في شركة مورجان اند ستانلي, ومؤلف كتاب «نهوض وسقوط الأمم» في لقاء تلفزيوني مع قناة CNN في شهر يونيو 2016, إلى ان السر في ارتفاع أعداد الأثرياء في العالم بعد الأزمة المالية العالمية وخلال الفترة (2009-2014 )  بنسبة 80% حيث ازداد العدد من (1011) شخصا إلى (1826) شخصا, قدرتهم الفائقة على فهم ديناميات الأزمة وطبيعة الآثار التي ستنجم عنها على صعيد القطاع المالي والسوق والحكومات والتكنولوجيا, وبالتالي صناعة الفرص الاستثمارية  التي تسهم ديناميات الأزمة بالارتقاء بها. فكيف نقرأ ونفهم ديناميات جائحة كورونا, وبماذا نستثمر خلالها, وما بعدها؟ هذا ما سنتعرض له بالتحليل في مقال قادم ان شاء الله. 

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news