العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

العنصرية تضرب أمريكا من جديد

بقلم: د. نبيل العسومي

الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٠ - 02:00

كتبنا أكثر من مرة في السنوات الماضية عن القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان والتعايش والتسامح في المجتمعات الغربية وفي مقدمتها المجتمعات الأمريكية هذا المجتمع الضخم المقسم على عدد كبير من الولايات المتحدة ضمن قواعد دستورية جامعة ومشتركة تؤمن وحدة هذه البلاد المتقدمة، والتي تعد الدولة الأولى في العالم من حيث القوة الاقتصادية والعسكرية بالدرجة الأولى.

وفي المقابل تحدثنا عن الخلل والمخاطر التي تهدد هذا المجتمع المتنوع أثنيا ودينيا ومناطقيا، ومن ذلك خطر العنصرية القائمة على الفصل بين مكونات المجتمع الأمريكي من أصول أوروبية وأصول إفريقية ولاتينية وآسيوية بوجه عام إضافة إلى الأقليات الصغيرة من أكثر من جهة في العالم.

هذا الخطر لا تتضح آثاره أيام الرفاهية والاستقرار والوفرة الاقتصادية التي تقضي على تلك الصراعات الكامنة والمخيفة، والتي تبدو كنار تحت الرماد مثلما يقال، والدليل على ذلك أنه لأبسط حادث عنصري أو خطأ من قوات الأمن الأمريكية أثناء القبض على أحد المخالفين أو المشتبه فيهم أو سقوط ضحية أثناء فض اشتباك أو مظاهرة تندلع المواجهات التي تتخذ في الغالب طابعا عنصريا عنيفا وغير حضاري.

وهذا بالضبط ما تكرر في أكثر من مناسبة، كان آخرها ما حدث في منطقة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأمريكية، التي اندلعت فيها أعمال عنف بسبب قتل مواطن أمريكي من أصول إفريقية اعتبر قتله استهدافا عنصريا من قبل الشرطة وأدى إلى موجة غضب وإلى حرق وفوضى اضطر معها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاستعانة بالحرس الوطني لإعادة الأوضاع إلى طبيعتها.

والحقيقة أن العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال موجودة على الرغم من كل الجهود التي بذلتها هذه الدولة على مختلف المستويات للحد منها. ويلعب التاريخ هنا دورا كبيرا في الذاكرة الأمريكية، حيث إن الأمريكان البيض قد استأثروا منذ الحقبة الاستعمارية بامتيازات وحقوق خاصة بهم على أساس العرق فقط، وعلى الرغم من إنهاء العنصرية رسميا من الناحية القانونية، فإنها ظلت في الواقع قائمة في أشكال متعددة منها التمييز ضد السود والأجانب والتعامل مع الآسيويين واللاتينيين معاملة دونية سواء في الوظائف العامة أو في الحياة الاجتماعية، وان العرق الأبيض مازال يسيطر على الحياة السياسية والاقتصادية ويحظى بامتيازات كبيرة غير مقرة قانونيا ولكنها قائمة على الأرض، ما يؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية بالرغم من قوتها الظاهرية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا فإنها تعاني من هشاشة في البناء الاجتماعي الذي لم ينجح لعقود طويلة من الحياة في ظل القانون والثوابت التي تحكم العلاقة بين البشر داخل هذه الدولة الكبيرة بما يهدد في كل مرة بمثل هذه الكوارث والمآسي والمواجهات التي تحدث بين حين وآخر وأحيانا لأسباب بسيطة غير مقنعة، وذلك لأن ما في النفوس والذاكرة من أوجاع وآلام ومخاوف وغضب لا يبدو أن القوانين وحدها كافية لقمع ردود الأفعال المنفلتة.

إن تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية القديم والحديث مليء بمثل هذه المواجهات التي رأينا نماذج منها خلال السنوات الماضية، وعلى الرغم من نجاح الأمريكان السود في القضاء على العبودية والفصل العنصري من الناحية القانونية فإن جزءًا كبيرًا منهم يعاني إلى اليوم من مظاهر التفرقة والممارسات العنصرية، فهذه العنصرية قابلة للاشتعال في أي وقت وبمجرد حدوث أي إشكال ذي طابع عنصري بين السود والبيض أو بين البيض وغيرهم من الأعراق الأخرى، إلا أن المشكلة تتخذ بعدا ضخما دائما مع السود لأن عددهم يتجاوز 45 مليون نسمة من إجمالي عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا العدد الكبير من الأمريكان السود لا يعاني من التمييز العنصري فقط، بل أيضا من الفقر وضعف الخدمات الصحية والتعليمية ومن الظلم الاجتماعي الذي يعبر عن نفسه في أشكال مختلفة وتعرض الآلاف من السود، وخاصة الرجال، للسجن والوقوع في براثن المخدرات.

إن ما حدث مؤخرا في مينيابوليس هو ترجمة واضحة لتلك الممارسات العنصرية التي لا تكفي النوايا الحسنة ولا القوانين وحدها لوضع حد لها أو إنهائها، فالأمر يحتاج إلى ثورة ثقافية متكاملة تعيد لفكرة المواطنة المتساوية مكانتها الطبيعية التي تؤمن استقرار المجتمع الأمريكي.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news